رفع عينيه عن بطاقات الملاحظات، ونظر تحوي مباشرة وقال: أن يكون خطؤك بالزيادة أفضل من أن يكون بالنقص، لا أظنك تريد أن تخضب يديك بدماء الأطفال الإندونيسيين أو حتى أطفالنا الأمريكيين، ولا تريد لهم أن يحيوا تحت المطرقة والمنجل أو تحت علم الصين الأحمر!)
دخلت إلى فراشي تلك الليلة آمنا في رفاهية جناح فاخر في الفندق، وجالت بخاطري صورة كلودين، طاردتني مناقشاتها حول الديون الأجنبية. حاولت تهدئة نفسي بتذكر الدروس التي تعلمتها في محاضرات علم الاقتصاد في كلية الاقتصاد. في نهاية الأمر، قلت لنفسي، أنا هنا لمساعدة إندونيسيا على الخروج من حيز الاقتصاد المتخلف المتمي للقرون الوسطى وأن تأخذ مكانها في عالم الاقتصاد المعاصر، لكني أدركت أنني في الصباح ساري من نافذتي عبر رفاهية حدائق الفندق وحمامات السباحة - تلك الأكواخ الحقيرة المنتشرة على بعد أميال من ذلك المشهد، واعلم أن فيها رضعا يموتون جوعا أو لعدم وجود المياه النقية، ومثلهم أيضا أطفال وراشدون يعانون أمراضا فتاكة ويعيشون فقرا مرعبا
ظللت أتقلب في فراشي، وجدت أنه من الاستحالة إنكار أن تشارلي وجميع أفراد فريقنا موجودون هنا لأسباب أنانية شخصية. كنا نناصر السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومصالح الشركات المتعددة الجنسيات، مدفوعين بالجشع الذي يمحو أية رغبة في تحسين ظروف حياة الأغلبية الساحقة من المواطنين الإندونيسيين. قفزت في ذهني كلمة كروبوقراطية corporatocracy. لم أكن واثقا ما إذا كنت سمعتها من قبل أم أنني اخترعتها من تلقاء نفسي؟ لكنها بدت قادرة على أن تصف بدقة شديدة النخبة الجديدة التي قررت السعي للسيطرة على كوكب الأرض
إنها منظومة متماسكة من أشخاص معدودين لهم أهداف مشتركة، وأعضاء هذه المنظومة يتنقلون بسهولة بين عضوية مجالس إدارات الشركات الضخمة والمناصب الحكومية. صدمت عندما تذكرت أن رئيس البنك الدولي الحالي روبرت مکنار، بعد نموذجا مثاليا لذلك. فقد انتقل من منصبه كرئيس لشركة سيارات فورد إلى وزير الدفاع في عهدي الرئيس کنيدي والرئيس جونسون، والان يقف على رأس أكبر مؤسسة مالية في العالم.
راعني كذلك أن أفطن إلى أن أساتذتي في الجامعة لم يكونوا على فهم صائب لطيعة علم الاقتصاد الشامل، ذلك أنه في كثير من الأحوال لا تسفر عمليات تقوية الاقتصاد وتنميته إلا عن إثراء أولئك القلة من الأشخاص الذين يتربعون فوق قمة الهرم الأكثر ثراء في العالم، بينما لا تقدم شيئا لأولئك المطمورين في القاع سوى أن تدفعهم لمزيد من الفقر. فإنه في الحقيقة، ينبثق عن تشجيع وانتشار الرأسمالية نظام شبيه بنظام المجتمعات الإقطاعية في القرون الوسطي. إذا علم بهذا أي من أساتذتي فلن يعترف به؛ ربما لأن الشركات الكبرى ومن يديرونها يدعمون تلك الكليات ماديا. بلا أدني شك، فإن كشف هذه الحقيقة قد يكلف هؤلاء الأساتذة وظائفهم، تماما مثلما قد يكلفني أنا أيضا وظيفتي.