الصفحة 160 من 276

إنني من الجيل الجديد من الدارسين الأذكياء المتخصصين في علوم الإحصاء، الذين يؤلهون علم الاقتصاد القياسي والذين جذبوا انتباه روبرت مكنهارا رئيس البنك الدولي المتأنق والرئيس السابق الشركة سيارات فورد، ووزير الدفاع في عهد جون كيندي. هنا رجل بني سمعته بالأرقام، وبنظرية الاحتمالات، وبالنماذج الرياضية - وأظن - بالتظاهر بالشجاعة المتوهمة لدى من له ذات متضخمة.

حاولت أن أحاكي كلا من مکنارا وبرونو رئيس الشركة. استخدمت أسلوب الأول في الحديث وحاولت تقليد الثاني وهو يزهو بنفسه، وحقيبة الأوراق تتأرجح في الهواء. تطلعت للوراء،، وتساءلت عن هدفي من كل هذا. في الحقيقة كانت كل خبراتي محدودة للغاية، لكني عوضت ما ينقصني من التدريب والمعرفة بالغطرسة والجرأة.

وقد أفلح الأمر. ففي نهاية المطاف، دبج فريق الخبراء تقاريري بموافقتهم.

خلال الأشهر التالية، حضرت اجتماعات في مدن عديدة مثل طهران وكراكاس وجواتيمالا ولندن وفينا وواشنطن وغيرها من البلاد المتقدمة. التقيت بشخصيات شهيرة، من بينها شاه إيران والرؤساء السابقين لبلاد كثيرة، وروبرت مکنارا نفسه، تماما مثل العالم الذي كنت أعيش فيه عندما كنت في المدرسة الإعدادية، كان عالما من الرجال فقط. كنت مندهشا لتأثير لقبي الجديد ونجاحاتي الجديدة مع وكالات الإقراض الدولية في تغيير نظرة الآخرين نحوي.

في البداية، كان انتباهي کله مركزا على حقي في الاختيار وحريتي. بدأت أتأمل نفسي کالو كنت ساحر الملك آرثر الذي يلوح بعصاه السحرية فوق البلاد فيجعلها فجأة تضيء، وتزدهر الصناعات کالأزهار اليانعة. ثم تحررت من الوهم وتساءلت عن ماهية دوافعي ودوافع كل الأشخاص الذين أعمل برفقتهم. بدا أنه لن يفيد كثيرا بريق المنصب أو الحصول على درجة الدكتوراه للمساعدة على فهم المأزق الذي يعيش فيه المصابون بالجذام بجوار مجاري المرف الصحي القذرة في جاکارتا، وشككت في أن البراعة في التلاعب بالإحصاءات تمكن المرء من رؤية المستقبل والتنبؤ به، كلما ازددت معرفة بأولئك الذين يصنعون القرارات التي تشكل العالم ازددت ريبة حول قدراتهم وأغراضهم الحقيقية. نظرت إلى الوجوه حول مائدة الاجتماعات ووجدت نفسي في صراع شديد أحاول جاهدا فمع غضبي

في النهاية، تغير أيضا هذا المنظور، وبدأت أفهم أن معظم هؤلاء الرجال يعتقدون أنهم يفعلون الصواب، كانوا مقتنعين مثل تشارلي أن الشيوعية والإرهاب قوي شريرة أكثر من اقتناعهم بردود الأفعال المتوقعة إزاء القرارات التي اتخذوها هم وأسلافهم، وأن عليهم واجبا نحو بلادهم ونحو أولادهم ونحو الله حتى هدي العالم للاقتناع بمذهب الرأسمالية. وهم كذلك متشبثون بمبدا البقاء للأصلح، وبدلا من الشعور بالامتنان والاستمتاع بالثروات الطائلة والتحول إلى طبقة متميزة وعدم المعاناة من النشأة في أكواخ من الكرتون - يعملون على ضمان توريث هذه الثروات لذريتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت