ثانيًا: بعد التجميع يكون التوزيع، بعد ما تجمع مجموعة الأعمال المتشابهة معًا، وغير المتشابهة تنسقه، تأتي الآن مرحلة التوزيع، توزيع هذه الأعمال على المكلفين، يعني: نأتي بالهيكل التنظيمي الذي يقوم بتنفيذ هذه الأعمال، نبحث عن الذي تتوافر فيه الصفات اللازمة لكل وظيفة من هذه الوظائف، أو لكل قسم من هذه الأقسام. ففلان مثلًا يصلح للقيام بأمور التسجيلات السمعية والمرئية لأن عنده خبرة بهذا الأمر، فلان يصلح للقيام بواجب تدريس المنهج الشرعي والخطابة والدروس؛ لأنه عنده خبرة في هذا الأمر، فلان يصلح للقيام بواجب الحسبة لأنه عنده دراية بفقه الحسبة، ولأنه ليس لديه نفس يعمل للظهور، ولأنه أيضًا عنده وجاهة في قومه وفي منطقته؛ بحيث لا يسبب لنا مشكلات، وأيضًا نعلم من تجاربه السابقة أن عنده صبرًا على الابتلاء؛ لأن أي أمر بالمعروف يتبعه أذى، إذًا عنده صبر على هذا، إذًا هذا أنسب الناس للقيام بهذا الواجب ... إلخ، وهذا فلان ورع، نعرف أن عنده ورع، إذًا يأخذ قضية جمع التبرعات والزكوات بسبب عنصر الورع والأمانة، وأيضًا عنده خبرة بكيفية التوزيع الشرعي، وعنده صلة بالتجار والناس الذين يدفعون الزكوات و التبرعات ... إلخ. ثم نجتهد في البحث وراء كل مهمة؛ حتى نعثر على من يصلح لها، يقول (ابن تيمية) -رحمه الله-: «فيجب على كل من وَلِي شيئًا من أمر المسلمين، أن يستعمل فيما تحت يده في كل موضع أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب الولاية، أو سبق في الطلب، بل يكون ذلك سبب المنع، فإن في الصحيح -أي صحيح البخاري- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن قومًا دخلوا عليه فسألوه الولاية، فقال: «إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه» فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره؛ لأجل قرابة بينهما، أو ولاء عتاقة أو صداقة، أو موافقة في بلد ٍأو مذهبٍ أو طريقةٍ أو جنسٍ، كـ (العربية) و (الفارسية) و (التركية) و (الرومية) -وأنا أضيف أو في جماعة واحدة- أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضعف في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما: فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، ودخل فيما نهي عنه في قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] ، فإن الولاية أمانة يجب أداؤها روى البخاري في صحيحه؛ عن (أبي هريرة) -رَضِيَ الله عَنْهُ- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.» قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.» إذًا قضية اختيار أنسب الموجودين لأداء المهمة: هذه قضية هامة، ليس لأنه معي في جماعة معينة، أو الحزب الفلاني، أو العرق الفلاني، أو الجنس الفلاني، أو المذهب الفلاني: أقدمه لهذه الأعمال وغيره أصلح: إذًا أنت قد خنت الله ورسوله، قال شيخ الإسلام (ابن تيمية) : «وأهم ما في هذا الباب: معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود، فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر.» الله يرحمك يا شيخ (ابن تيمية) ؛ هذه من الكلمات قليلة معانيها كبيرةٌ جدًا في علم الإدارة، أخيرًا توصلوا في علم الإدارة الحديثة إلى هذه الأمور، إذا عُرفت المقاصد