الصفحة 57 من 74

قلت لك: اجتهد أخي الكريم، أوصي نفسي وإياك بهذا، اجتهد بإصلاح نفسك والوسط الذي تعمل فيه: تنصلح لك الأحوال كلها بحول الله تعالى، وصدق (عمر بن عبدالعزيز) -رحمه الله ورضي عنه- حين قال: «إن أولي الأمر كالسوق، ما نفق فيه: جلب إليه؛ فإن نفق فيه الصدق والبر والعدل والأمانة: جلب إليه ذلك، وإن نفق فيه الكذب والفجور والجور والخيانة: جلب إليه ذلك.» وقدم إلى (عمر بن الخطاب) -رَضِيَ الله عَنْهُ- مال عظيم من الفرس فقال: «إن قومًا أدوا الأمانة في هذا لأمناء» ، فقال له بعض الحاضرين: «إنك أديت الأمانة إلى الله، فأدوا إليك الأمانة، ولو رتعت لرتعوا.» وقديمًا قالوا: «من صف صُفّي له، ومن كدّر كُدِّر عليه.» ، وقالوا: «إنما يتعطر من لم يخلص.» فأخلص أخي في عملك وقولك وحركاتك وسكناتك، وصفِّ ما بينك وبين ربك في معاملتك؛ يصلح لك الأحوال كلها، وييسر لك سبل الصلاح، ويحبب فيك إخوانك، وصدق (عمر) -رَضِيَ الله عَنْهُ- حين قال: «من صلحت نيته، وأقبل على نفسه: كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس في نفسه شانه الله.» ثم عليك أخي بسنة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وسيرته؛ فابحث عن أخلاقه - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه، وكيف أخذ بأيديهم من حفرة الشرك والعصيان إلى القمة العلياء من الصلاح والإيمان، وإنه لعجيب أن يعرض المسؤولون عن النظر في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته، وفيها ما فيها من كنوز لا تفنى، ويقبلوا على علوم أقل من ذلك شأنًا ودون من ذلك فائدة. واعلم أنك تقدر على تغيير نفسك بخطوات حاسمة من المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى اليقظة، وهذا يتوقف على علو همتك وحسن نيتك وصدقك في إقبالك على ربك كما قدّمنا، ولكن قد لا تقدر على تحقيق ذلك في غيرك بذات السرعة؛ فمداواة الناس تكون شيئًا بعد شيء، المهم أن تضع قدمك على الطريق الصحيح، ثم تبدأ في دفع الأمور إلى الأمام شيئًا بعد شيء؛ فالعمل: تعمل هنا على إقالة المتعثّر، وتنبيه الغافل، وإعانة السائل، وتمهل من سعى هنا سعيًا متسرعًا؛ فإن المنبتّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، كما هو معلوم في قضايا الإصلاح بين الناس. وتلك كانت خطبة (عمر بن عبدالعزيز) -رحمه الله ورضي عنه- عندما تولى الخلافة، بعد أن كان الخرق قد اتسع، فمضى في مسيرة الإصلاح خطوة بعد خطوة دون إبطاء معيب، ودون عجلة مفسدة؛ حتى انصلح حال الأمة، واستقامت الأمور في مدة وجيزة كما هو معلوم.

-الوسيلة الرابعة: هي القدوة.

تلعب القدوة دورًا خطيرًا ليس في عملية التوجيه فحسب، بل وفي عملية صياغة النفس المسلمة أيضًا، ولو قام المسؤول بعملية التوجيه إعلامًا وتكريمًا وحثًّا بالصورة المثلى، ثم لم يكن هو في ذاته قدوة صالحة في هذا الشأن: فإنه يكون قد عاد على ما شيّده بالهدم، فالمتكاسل عن العمل، المخلد إلى الراحة والدعة: لا يقدر على التأثير في إخوانه ودفعهم إلى الجد والاجتهاد، ولو دبّج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت