ولطف، فإن لم يكن عندك ماتعطيه فقد نهيت عن نهيه أو زجره. فكيف بمن لم يأتك يسألك مالًا، وإنما أتاك يبدي رأيًا أو يقدّم نصحًا، فيجب عليك إذًا أن تشجعه على الابتكار والتفكير، وتشكره على اجهاد نفسه واتعاب ذهنه، سواء كان ما قاله خطأ أم صوابًا.
قد أطلنا عليكم في باب ضوابط العقوبة؛ لخطورة هذا الأمر، ولتسرع البعض فيه بلا روية ولا حكمة، فلا تكن عذابًا على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - واذكر: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، واذكر: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] . هذه صفة نبيك، وخلقه وسنّته؛ فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. وأخيرًا قال (الله) تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83] . فالناس أربعة أقسام:
-قسم: يريدون العلو في الأرض والفساد؛ كفرعون وهامان.
-وقسم: يريدون الفساد بلا علو؛ كالسّرّاق والزناة.
-وقسم: يريدون العلو بلا فساد؛ كالملوك الذين كانوا يريدون الملك مع إقامتهم للدين وحرصهم على الشرع.
وهذه الأقسام الثلاثة؛ قد عرضت الآية لزجرهم، وإنما الممدوح: أولئك الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا؛ فإن ألجِئوا إلى العلو إلجاء: قبلوا اضطرارًا لا اختيارًا، وقلوبهم وجلة لا فرحة، واستعملوه في نصرة الدين، وإصلاح ما فسد، والرفق بالخلق، لا لرفعة الذات، ونيل الملذّات، والاستكبار على الناس. نهارهم في إصلاح الأمور، وليلهم في محاسبة النفس ومناجاة الخالق، الحق عندهم أعظم من أن يردوه، والعدل ولو على أنفسهم أحب إليهم من أن يتركوه. وإن مدحهم مادح: كرهت القلوب مدحه، وإن نصحهم ناصح: فرحوا بنصحه. فمن قدر على هذا: فليأخذه بحقه، ومن لم يقدر: فحسبه أن يكون كـ (أبي ذر) - رَضِيَ الله عَنْهُ -؛ قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «يا (أبا ذر) ، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحبه لنفسي؛ لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال اليتيم.» [رواه مسلم] .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، إن كان هناك من توفيق فهو من الله، وإن كان من تقصير فمن نفسي والشيطان. اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.
1 -وضح الطريقة السليمة التي ذكرت للاستفادة من الأخطاء؟
2 -أذكر أربعًا من الطرق الفعالة في الرقابة مع شرحًا مبسطًا.