فهرس الكتاب
والسلام.
هذا توجيه، وينبغي أن يتنبه القائد إلى أن من التعليم والتدريب ما يحتاج إلا إلى دقائق معدودة، ومنه ما يستمر إلى أسابيع وشهور، ومنه ما يستمر إلى سنوات عديدة فيجب مراعاة ذلك كله.
لا ينبغي [أن يكون] المسؤول كموجه عند تبليغ المهمة تدريب إخوانه عليها، بل لابد من استثارتهم للقيام بها وحضهم على ذلك؛ فالفرد ليس آلة صماء كما قلنا، بل هو عقل وقلب وجوارح؛ فالعقل قد أعطيناه حقه عند تكليفه بالمهمة بأبعادها كاملة، وعند تعليمه بما يلزم لها من العلوم بآدابه، والجوارح قد تم تدريبها على الأداء حتى أتقنته، ولكن من الذي يدفع العقل للتفكير والجوارح للتنفيذ؟؛ إنه القلب؛ فلا بد إذًا من استثارته حتى يقوم بدوره الرئيسي، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة؛ إذا صلحت: صلح الجسد كله، وإذا فسدت: فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب.» وقد قيل: إن القلب ملك والجوارح جنوده، فلا بد من حث الملك؛ حتى ينفعل ويستجيب؛ فيأمر جنوده بالعمل والتنفيذ. وطرق استثارة القلب كثيرة؛ ومنها: الترغيب في ثواب العمل، ومنها الترهيب من مغبة تركه، وبيان عقاب طويل يترتب على تركه، ومنها التشويق إليه، ومنها ضرب المثل بأفعال الصالحين من السابقين، ومنها بيان أهميته وترتيب ما بعده عليه، ومنها مشاركة الأمير المحبوب إخوانه في القيام به، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه يوم الخندق يضرب بمعوله الصخر، ويحمل التراب - صلى الله عليه وسلم - قد يقول قائل: ما هذا؟! ألا يكفي أن يصدر المسؤول أمره ويطيعه بقية إخوانه؟! أَوَ ليست طاعة الأمير من طاعة الله ورسوله؟! فلم تشترطون أن يقوم فوق ذلك بحث إخوانه واستشارتهم للقيام بالعمل؟!
ونقول: إن النفس كثيرًا ما تعلم الواجب فتتركه، وتعلم المحظور وتأتيه، أو تستجيب للأمر استجابة ضعيفة دون المستوى المطلوب؛ فلا بد من حثها عليه وتشويقها إليه، ولو تأملنا في كلام الله تعالى وفي أوامره ونواهيه التي يجب الانصياع لها من الخلق كافة، والتي هي أعلى الأوامر؛ لأنها من ربهم سبحانه: لوجدنا أن رب السموات والأرض وما بينهما؛ عندما يأمر عباده المأمورين تحت سلطانه في فعل شي قد أوجبه عليهم وجوبًا لازمًا: فإنه جل وعلا يحثهم عليه بصور شتى؛ فتارة يوبخهم، وتارة يخوفهم، وتارة يجمع بين هذا وذاك في سياق واحد، وتارة يضرب الأمثال، وتارة يذكر مثال قدوة صالحة، إلى آخر ذلك، وتأمل معي اجتماع كثير من أساليب والحث والحفز والدفع والاستثارة؛ ترغيبًا وترهيبًا وتحميسًا وتحقيقًا لقوله عز وجل: أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ *