الصفحة 55 من 74

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة: 13 - 15] . ثم قال عز من قائل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16] . ثم قال عز من قائل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [التوبة: 20 - 22] . ولو أفرد المصنف مؤلفًا كاملًا لبيان أساليب الحث الواردة في هذه الآيات التي تلوتها عليكم: لَمَا كان كثيرًا، ولو أفرد هذا المصنف مجلدات لبيان أساليب الحث في القرآن: لما كان كثيرًا أيضًا. فينبغي ألا يهمل المسؤول هذه المسألة الهامة، وليتخفف بعض الشيء من تلك الكلمات التي كادت أن تفقد معناها من كثرة ترديدها كقوله:"السمع والطاعة"،"افعل ما تُؤمَر"،"اسعَ في الأمر"، أين الالتزام بكلام الأمير؟ إلى غير ذلك.

فالقائد الناجح: هو الذي لا يقتصر على مثل هذا، بل يجعل مَن معه ينفعلون بفكرته ويتفاعلون معها، وهي ما زالت فكرة ويتشوقون للبدء في الأعمال التي ستساهم في تحقيقها؛ حتى يملك هذا الأمر عليهم عقولهم وقلوبهم، حتى إذا ما جاء وقت تنفيذها: زادهم تشوقًا إليها، وحرصًا على إتيانها بأساليب الحق المختلفة؛ حتى ينطلق كل واحد منهم كالسهم الذي أحسن صانعه صنعته، وأحسن راميه رمايته. وإذا أردنا أن نصل إلى هذه الصورة المثلى؛ فلا بد من علاقة طيبة جدًّا بين المسؤول وإخوانه، ولا بد من التواضع الشديد لهم، وحرصه عليهم، وسؤاله عن غائبهم، وحل مشكلاتهم والرفق بهم؛ حتى يكون ممّن قال فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبوكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم.» أي: تدعون لهم ويدعون لكم؛ فالصلاة في اللغة: هي الدعاء كما هو معروف. إذا ما كان المسؤول على هذه الصفة؛ فهو قادر بعون الله وفضله على توفير الوسط الصالح لأداء الأعمال، وبدون هذا الوسط: سيتعطل العمل كثيرًا، فالمجموعة التي تنتشر بينها الخلافات: لن تنتج شيئًا مفيدًا قط، وكذا المنشغلون باللغو: ليس لديهم عزم ولا همة على تحمل المسؤوليات العظام؛ فهذه تحتاج إلى رجال علت همتهم، وَضَنّوا بكل لحظة من أعمالهم أن تذهب في غير طاعة يحبها الله، والطائفة التي انشغلت بزينة الدنيا وزخرفها: لن تقدم للدين إلا الجاه والسمعة والمال، وبما لا يفوت عليها شيئًا من ملذات الدنيا، أو يسبب لهم ضررًا؛ فهؤلاء أحق بقول الشاعر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

والفئة التي يريد كل فرد من أفرادها مكانة ورئاسة وجاهًا وعلوًا على إخوانه: لا يصلح أفرادها لشرف العمل لهذا الدين؛ فهؤلاء يريدون الأكل بدينهم لا العمل له، وهذه كلها خصال غير صالحة لإخراج أي شيء مفيد، كما قال الله عز وجل: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت