الصفحة 56 من 74

خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف: 58] . فعمل هؤلاء ضعيف قليل معيب سيئ، كما أن نبات الأرض الخبيثة: يخرج ضعيفًا خبيثًا قليلًا معيبًا سيئًا. والمسؤول هو المطالب بتوفير إيواء لهذا الوسط الصالح، وأن يغير من كل الصفات والأحوال السيئة في نفسه وإخوانه؛ حتى ينجوا جميعًا مما حذرت منه الآية؛ فإذا أفلح في ذلك: فسوف تستقيم له كل الأمور، وتنصلح النفوس بما فيها من أدران وعيوب، وسيرى من كان بالأمس القريب طامعًا في الدنيا، معرضًا عن الآخرة أو مشاكسًا مرائيًا، أو شديدًا في خصومته، معجبًا برأيه، أو كثير اللغو قليل الطاعة: سيراه وقد تغير حاله؛ حتى يصير من أئمة الهدى، تراه وقد قام في طاعة الله: عاملًا بمرضاته، راجيًا وجهه لا ليقال عنه، ولا ليشار إليه، ولا ليثنى عليه، ولا لينال حظوة عند أحد من القلب، قد رضي بنظر الله إليه، واطلاعه على نيته، ورؤيته عمله، فعلت همته: أن تتعلق بغير الواحد القهار، الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار، تعلق قلبه بربه، وعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأن لو شاء الله لحال بينه وبين قلبه؛ فما قدر على الإخلاص طرفة عين، وأن لو شاء: لحال بينه وبين الصالحات من الأعمال وسخره في المعاصي والسيئات، كما طرد إبليس من جملة المسبحين إلى إمامة الكافرين، وأن لو شاء سبحانه لسد باب التوفيق دونه: فلا يأتي أمر إلا ويغلق الطريق في وجهه؛ فيعمل ويجهد ويذهب عمله سدى؛ لعلّة قادحة في صدره قد اطلع الله عليها، وخفيت عن الخلق، وملأت الغفلة قلبه، وصار ممن قال فيهم المولى تبارك وتعالى: {الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 60 - 61] . فهو متقن تراه في عمله، حريص على إخراجه على أكمل الوجوه وأحسنها؛ لأنه لا يقدم لله تعالى قربانًا فيه نقص قد علم عظمة من يريد التقرب إليه؛ فَجَوّدَ وحَسّنَ، وهو مع ذلك كله: يرى أنه ليس أهلًا لأن يتقبل الله منه؛ لأنه قد عرف معنى قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِين} [المائدة: 27] . فانكسر لربه، معترفًا بذنبه وخطيئته، سائلًا إليه بلسان مقاله وحاله: أن يبلغه منزلة أولئك المتقين، وأن يصلح خلله، وأن يقوّم عيبه، ويطهر قلبه، ويزكي نفسه، ويسدده ويوفقه، وأن يتقبل منه وأن لا يكله لنفسه طرفة عين، قد علم أن في ذلك الخسران الذي لا فلاح معه والهلاك الأعظم. فإذا ما رأيته في الدعوة؛ قلت: لا يحسن غيرها، وإذا ما رأيته في أعمال البر؛ قلت: لا يسبقه أحد، وإذا رأيته قام إلى الصلاة؛ أخفاها وحقق خشوعها وأقر قيامها وركوعها وسجودها، ولو اطلعت عليه فيها لقلت: هذه عبادته التي لا يحسن غيرها، وإن صام: ظننت أن هذا كل عمله، وتلك منتهى عزيمته، وإن أنفق في سبيل الله؛ فهو كالبحر لا تنتهي أمواجه، وإن رأيته مع أميره: فهو المثال المحتذى بالطاعة، وإن رأيته بين أقرانه: فهو الأخ الحاني، وإن كان أميرًا على غيره: فهو كالراعي الشفيق، ولم ير لنفسه عليهم فضلًا، بل رأى إخوانه بل عامة الناس أفضل منه حالًا، وظن ذلك في قلبه ظنًّا صادقًا يشبه اليقين. فإن سألتني: ومن أين لنا بأمثال هؤلاء؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت