في هذا المعنى عشرات النصائح والمواعظ، وكذا المرائي لا يقدر على حث تخافت أتباعه وحملهم على أداء الأعمال خالصة لوجه الله تعالى، فقديمًا قالوا:
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
فهناك يسمع ما يقال ويقتدى ... بالعلم منك وينفع التعليم
ولسنا نقول للمسؤول: تخلّق أمام إخوانك بما ليس فيك؛ رياء إنما نقول: أصلح حالك ابتغاء وجه ربك، وعندها ستصير قدوة صالحة بإذن الله.
قد يرى البعض أن الحديث عن الثواب والعقاب ليس موضعه في فصل التوجيه هنا، بل موضعه في فصل المراقبة والمتابعة والمحاسبة؛ لأن التوجيه -هكذا يقول البعض- يكون قبل العمل، بينما الثواب والعقاب لا يكون إلا بعد العمل؛ حيث يثاب المحسن ويعاقب المخطئ، فالمكان الطبيعي للحديث عن ذلك في نظر هؤلاء: هو في فصل المتابعة والمراقبة والمحاسبة؛ لأن الرقابة هي التي تدلنا على تلك الأعمال التي حصلت بصورة جيدة؛ فنثيب صاحبها، وتلك التي لم تتم أو تمت بطريقة خاطئة: فنعاقب المتسبب في ذلك.
بيد أن النظرة الفاحصة تكشف أن هناك علاقة قوية جدًّا بين التوجيه وبين الثواب والعقاب؛ فهما أسلوبان من أساليب التوجيه، بل إنهما يكونان في بعض الأحيان من أقوى الأساليب وأمتعها؛ لأننا عندما نثيب المحسن ونعاقب المسيء على ما تم وانقضى: فإننا في حقيقة الأمر نقوم بتوجيههما لتحقيق أداء أفضل في المستقبل؛ ليستمر المحسن على إحسانه، ويحاول المخطئ تدارك أخطائه وعدم تكرراها؛ فنحن عندما نثيب أو نعاقب لا نحاسب حسابًا ختاميًّا للعمل؛ فإن العمل للدين، إنما الحساب الختامي له هناك؛ يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات، أما نحن هنا؛ فنحاول تحسين الأداء في المستقبل من هذه الناحية، فيكون الثواب والعقاب من صلب وظيفة التوجيه، ولكننا رغم ذلك سنؤجل الحديث عن قضية الثواب والعقاب في الفصل القادم إن كان لنا عمر مراعاة للتسلسل المنطقي، وأحب هنا ألا تفوتنا هذه الإشارة؛ حتى لا يساء فهم قضية الثواب والعقاب عند العاملين للدين؛ فالثواب والعقاب بين أي وحدة عمل لإقامة الدين: إنما هو فقط للتوجيه، أما الحساب الختامي، أما الثواب والعقاب الحقيقي فإنما هو هناك كما تعلمون؛ يوم يتصدع الناس إلى ربهم، نسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح أحوالنا، وأن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص والتوفيق والسداد.