أما آثار تلك السيئة على العمل فكثيرة: ما يشكو منها البعض، من أن بعض الإخوة فيهم غلظة على عوام المسلمين؛ مما يؤدي إلى تنفيرهم عن دين الله، وكثيرًا ما يكون سبب ذلك أن الأخ قد قسا عليه أميره، فتعلم هذا الأخ أن الدين غلظة وقسوة، ومن أظلم الظلم و أقبح البغي: أن يعاقب المسؤول غيره على خطأ نفسه هو، فقد يهمل تعليم إخوانه كيفية أداء العمل، ثم لما يفشلون في إنجازه: يصب جام غضبه عليهم، ويوبخهم ويقرعهم، ويكون هو الذي أخطأ وحمّل غيره خطأه، بدل أن يعترف بذنبه ويستغفر منه، ويسارع بسد الخلل، وينسى الوعيد الشديد على ذلك: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112] . والبهتان: هو الكذب، والإثم: هو الذنب. فما أسرع ما تنفر القلوب من أمير كهذا!
ومما ينبغي توقّيه والحذر منه: أن تقرّع أخًا على رأي تبناه أو كلمة قالها، فهذا سيولّد عنده قدرًا كبيرًا من السلبية، ولسوف تراه بعد ذلك محجمًا عن أن يقول رأيه خوفًا من تقريعك وتوبيخك، وقد تطرأ له فكرة جيدة أو رأي صواب، ولكنه يبلعه في جوفه في صمت وأسى؛ حذرًا مما قد يلقاه منك لو صرّح به. والواجب ملاقاة كل فكرة أو رأي ولو كان خطأ: بصدر رحب، والاستماع إليه جيدًا بأذن صاغية، ثم تقويمه؛ إن كان صوابًا: تقبله، وإياك أن ترده لأنه جاء من غيرك، أو ممن هو أصغر منك سنًّا؛ فإن الحق حجته في ذاته، وليست حجته أنه جاء من فلان، ولا يعيبه أنه جاء من فلان، وصدق (عمر) -رَضِيَ الله عَنْهُ- حين قال: «إن الحق قديم.»
وها هنا نكتة لطيفة، لا يقدر عليها إلا من كان في قلبه شيء من الإخلاص؛ وهو أن السامع أميرًا كان أو غيره؛ قد يكتشف أن المتكلم إنما يعرض عليه فكرة قد خطرت له من قبل، ولم تغب عنه، فلا تسامح نفسه إلا بالمبادرة للإعلان عن ذلك؛ حتى لا يظن به أحد أنه كان غافلًا عن تلك الفكرة؛ فتراه يهتف مقاطعًا أو معقبًا للحديث: نعم نعم؛ تريد أن تقترح كذا وكذا؛ لقد خطرت لي هذه الفكرة، وسوف أنفذها قريبًا، أو: إنني لم أكن غافلًا عن مثل هذه الأفكار، إلى آخره. لقد كان السلف المحدّثون رحمهم الله، يأتيه الفتى الصغير ليخبره بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيسمعه الشيخ الكبير مهتمًّا منصتًا، وكأنه يسمعه لأول مرة، بينما هو قد سمعه وحفظه وأسمعه وتلقاه من الحفاظ قبل أن يولَد هذا الفتى، هل تقدر أخي على مثل هذا؟ صعب، استعينوا بالله.
أما إذا سمعته وتبيّن لك أنه رأي خطأ؛ فبيّن له برفق مواضع الخطأ فيه، وإن اجتمع فيه حقٌ وباطل؛ فبيّن له هذا وذاك، و لا ترد الحق مع الباطل. فإن لم تقدر مثلًا على شرح أسباب ترك هذا الأمر؛ لعوامل سرية أو أمنية؛ فبيّن له برفق أنك قد لا تستطيع الإدلاء بكل ما لديك من أسباب لضرورات أمنية، كل هذا بلا تجهم، ولا سخرية، ولا ازدراء، فقد قال الله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ} [الضحى: 10] ، وقال: {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء: 28] ، فإن كان هذا السائل يسألك من مالك: فإن أردت أن تعطيه أو ترده بلين