ثامنًا: لا تكثر من العقوبات؛ حتى لا تفقد قيمتها أو تقلب إلى الأثر السيئ؛ فإن الأخ إذا تعوّد أن تُوجَّه إليه عقوبة مرات ومرات: فلن يصير لهذا الأمر في المستقبل القريب أي معنى، خاصة إذا كان له بعض الأوقات دون سبب، هنا سيشعر الأخ أنه ملام سواء عمل أم لم يعمل، أتقن أم أهمل، فيبدأ في أخذ رد فعل سلبي، وسرعان ما ينقلب إلى عناد أو مشاكسة لكل ما يصدر من الأمير.
تاسعًا: بادر بإزالة آثار العقوبة؛ لومًا كانت أم عتابًا أم مقاطعة أم غير ذلك بمجرد زوال سببها؛ حتى يفهم الأخ أن ما كان مِن أخيه: لم يكن بدافع الاستعلاء، وإنما كان بدافع الحرص عليه وحب الكمال له.
يقول القائل:
فقسا ليزدجروا، ومَن يكُ راحمًا ... فليقسُ أحيانًا على مَن يرحم
وتأمل أخي ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع (كعب بن مالك) -رَضِيَ الله عَنْهُ- حين تاب الله عليه، بعد أن قامت مدة المعاقبة مدة طويلة؛ لتخلّفه عن غزوة (تبوك) ، قال: فلما سلّمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال وهو يبرق وجهه من السرور: «أبشر بخير يوم مر عليك مذ ولدتك أمك.» فقلتُ: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله عز وجل.» يقول (كعب) : وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سُر: استنار وجهه، حتى كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه [متفق عليه] . يُسر: يزيل آثاره.
والأصح أن يردف العقاب أو اللوم أو نحو ذلك من العقوبات، أن يقابله في أقرب فرصة بالبشاشة والملاطفة، ما دام الخطأ قد زال.
عاشرًا وأخيرًا؛ وهو الأهم: لا عقاب إلا على خطأ؛ فالعقوبة حكم شرعي، قد جعله الله على خطأ شرعي، فمن عاقبته بلا خطأ فهو خطأ فادح، وصاحبه ممن لا يحكمون بما أنزل الله، ولا يظنًا أحد أن العقوبات التي هي حكم للشارع، هي الحدود فقط بل التعزيرات المختلفة ولو بالقول؛ فهي أحكام شرعية. إلا أن الله جعل تنفيذها للولاة والأمراء حسبما يتوصلون إليه باجتهادهم من موارد الشرع، وقد قدمنا الكلام في هذا الموضوع. فإن عمد المسؤول إلى غير المخطئ فعاقبه: فقد تجاوز حدود الله، ووقع فيما حرمه الله {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14] ، هذه العقوبة الأخروية، أما الدنيوية: فإنه كما قيل: إن البغي لا بد وأن تعدد عقوبته في الدنيا، يقول تعالى: {يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} ، هذا الأمير الباغي لا بد أن يذوق مغبة بغيه؛ فيسلط الله عليه من يبغي عليه.