(أنسًا) -رَضِيَ الله عَنْهُ- عندما شرع في خدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ابن عشر سنين، وابن العشر سنين: كثير الأخطاء، ورغم ذلك: فما قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أف» ولم يقل له: لمَ فعلتَ كذا؟ وهلاّ فعلت كذا؟ وإنما كان غضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانتقامه: إذا انتُهكت حرمة لله تعالى، وفيما عدا ذلك: فهو كما قال تعالى فيه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] . رغم أن المدفوع سيئة، وهذه مدرسة القيادة المحمدية، وإياكم ومدارس القيادة الفرعونية والكسروية والقصروية، لا تتشبهوا بهم في قليل أو كثير، واذكروا:"مَن تشبّه بقوم فهو منهم"، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والمقصود: أن الأمير يحسن منه ويجمل به: أن يصفح عن الزلات في حق نفسه؛ لأنه المنوط به إقامة العقبات على التفريط والتقصير في العمل، فلا يحتمل منه أن يعاقب هنا وهناك، بل يصفح عن تلك ويعاقب على هذه، لا يتعادل صفحه وعفوه مع عقوبته وزجره، وتستقيم الأمور، وإلا اضطربت الأمور عليه.
خامسًا: لتكن العقوبة على قدر الخطيئة؛ فلا يحسن أن تقابل الخطأ الصغير والهفوة الواحدة بعاصفة من اللوم والتقريع والتوبيخ، فليس هذا من العدل في شيء، بل هو ظلم بيّن واضح، ولو أردتَ أن تشعر قسوته: فضع نفسك موضع أخيك الذي عنّفتَه، وتصوّر أن قوارع التوبيخ قد نزلت على رأسك أنت؛ بسبب تلك الهفوة الصغيرة، وتأمل كيف يكون حالك، وتذكر أن الله تعالى يقتص للشاة الجمحاء من القرناء يوم القيامة، وأن الظلم ظلمات يوم القيامة.
سادسًا: احرص أن يكون عتابك أو لومك أو حتى نصحك لأخيك في سرّية؛ بحيث لا يطّلع عليه غيركما، قال الشافعي رحمه الله: مَن نصح أخاه سرًّا: فقد نصحه وزانه، ومن نصحه علانية: فقد فضحه وشانه. فهذا هو الأصل الذي ينبغي لزومه دائمًا، إلا في حالات نادرة، وخاصة تلك التي لا ينفع فيها إلا الإعلان بالنصح إذا دعت الضرورة لذلك.
سابعًا: اغفر لأصحاب السوابق في الخير، وذوي الهيئات، وكثيري الطاعات، والمجدّين في الأعمال، وكبار السن، ما لا تغفره لغيرهم؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم.» وقال: «ليس منا مَن لم يوقّر كبيرنا.» وقال: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فإني قد غفرت لكم.» لأن الذي قام بأعمال عظيمة: حين التعامل معه، وحين محاسبته: يكون غير الآخر كما هو معلوم.
وإذا الحبيب أتى بذنبٍ واحدٍ ... جاءت محاسنه بألف شفيع
وقيل إن (عمر) -رَضِيَ الله عَنْهُ- كان يستحيي أن يعاتب الرجل إذا بلغ ثلاثين سنة. فإن كان هذا (عمر) ؛ وهو الشيخ الكبير، والأمير المطاع المهاب، فكيف بغيره ممن لا يبلغ شعرة من (عمر) ولا نفسًا من أنفاسه؟