فهرس الكتاب
متوقَّع، فإذا لم ينتج من ورائها مصلحة قط، أو كانت المفسدة الناتجة عنها تربو على مصلحة متوقعة منها: فليباعد الله بيننا وبينها. إذا عرفت هذا؛ لزمتَ الحذر قبل اللجوء لأي نوع من أنواع العقوبة، وحذرتَ من التسرع الذي يلازم بعض المسؤولين؛ فما أقرب عبوسهم وما أسرع كلمة الزجر على ألسنتهم! وما أكثر المفاسد التي تترتب على ذلك! فإن عامة الشقاق واختلاف القلوب: مرجعه تسرع المسؤول في الزجر والنهر، أما الأكياس من المسؤولين؛ فإنهم يتأنون ولا يقدمون على العقوبة إلا عندما تترتب مصلحتها؛ لذا: أحجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عقوبة كثير من المنافقين؛ لما كانت مفسدة العقوبة أعلى، عندما نرى هذه الحالة: قليل العلم ومعدومي البصيرة ينكرون مثل هذا العمل، ويقولون: أين العدل؟ ولماذا لم يعامل فلان زيدًا كما عامل عَمْرًا؟! هؤلاء ظنوا أن التسوية في العقاب واجبة، وأقول إن العقاب ليس كالحدود؛ فالتسوية في العقوبة إنما تكون في الحدود؛ ولهذا يقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما أهلك الذين من قبلكم؛ أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف: تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم: أقاموا عليه الحد.» ليس الكلام على الحدود كما قلتُ، وإنما العقوبة التعزيرية التي في نطاق المسؤولين عن العمل الإسلامي في صورة من الصور. أما ما عدا ذلك؛ فقد ترك الشارع تقدير العقوبة لنظر الأمير أو المسؤول واجتهاده، بل لقد ورد في الشرع ما يوجب التفريق في التعزير بين ذوي الهيئات وغيرهم؛ قال - صلى الله عليه وسلم: «أقيلوا ذوي الهيئات من عثراتهم.» أو: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم.» وكذا ورد في التفريق بين ما تُخاف مفسدته وبين ما ليس كذلك كما تقدّم.
رابعًا: لا تعاقب لحظ نفسك، بل للإصلاح، وضع نصب عينك قول نبي الله شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} [هود: 88] . فلا يكن همك في العقاب الانتصار لرأي قلته فخالفه مخالف، أو أمر أصدرته فقصّر فيه مقصّر؛ فيعظم في نفسك مخالفة أمرك، فتثور لذلك وتثأر، وصدق (ابن تيمية) - رحمه الله: «وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانة أنها تفعله طاعة لله!» [ «مجموع الفتاوى» (28/ 207) ] . فلا تكن نيتك في العقوبة الاستعلاء على غيرك وقهره، بل الإصلاح، أصلح الله حالكم وحالنا. وإن كنت تخاف أن يلتبس الثأر لله بالثأر لنفسك: فمن باب أولى أن نحذرك ونفوسنا أشد التحذير؛ من أن تغضب لنفسك ابتداءًا، أو تثأر لها؛ فإن هذا لا يحسن القطُ ممن يتبوأ موضع مسؤولية، ألم تقرأ من قبل حديث (أنس) -رَضِيَ الله عَنْهُ-؟ يقول: «لقد خدمتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين؛ فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟» [الحديث متّفق عليه] . وعن (عائشة) -رَضِيَ الله عَنْهَا- قالت: «ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله. وما نِيل منه شيء قطُّ، فينتقم مِن صاحبه، إلا أن يُنْتَهك شيء مِن محارم الله، فينتقم لله عزَّ وجلَّ.» [رواه مسلم] . فإنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يغضب أو يثأر لنفسه قط، بل ما قال كلمة «أف» لخادمه (أنس) -رَضِيَ الله عَنْهُ-، وتعلمون أن