الصفحة 68 من 74

فالدكتور (عمر) قال له: يرحم الله فلانًا؛ ما كنت آمره بأمر إلا ويمتثل، فشعر بنفسه أنه هو المقصود، فتغيّر حاله. وأفضل من هذا وأحسن؛ ما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع (كعب بن مالك) -رَضِيَ الله عَنْهُ- حين تخلّف عن غزوة (تبوك) ، قبل نزول أمر الله بمقاطعة الثلاثة كما تعلمون؛ قال (كعب) : «فلما سلمت عليه [أي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] تبسم تبسُّم المغضَب.» فكروا قليلًا في قضية"تبسّم المغضب"هذه؛ فانظر كيف يكون نوع من التبسم مؤثرًا من القائد المحبب في قلب أتباعه، وانظر في المقابل إلى ما يفعله بعض القادة من الغلظة على أتباعهم، وكأنهم عبيد إحسان. البعض يكفيه مجرد إعراض مسؤوله عنه لبعض الوقت؛ يشعر من خلاله أن تقصيره في العمل: قد لاقى عدم استحسان منه، بل قد لاقى استهجانًا، لكن ليس كل أحد ينفع معه هذا؛ فلا مانع من توجيه اللوم له صراحة، مع تحميله مسؤولية التقصير، ومجابهته بأنه تهاون في العمل وضيّع الأمانة؛ فإن هذا يكون بعد فشل المراحل التي قبلها، أحيانًا قد يلجأ المسؤول لمقاطعة المخطئ؛ كعلاج للإصلاح، لكن ينبغي عدم التسرع بهذا العلاج، تأمل مع تلك الثوابت القيمة، التي وضعها (ابن تيمية) - رحمه الله -؛ لضبط ذلك العلاج؛ قال -رحمه الله: المقصود به -أي بالهجر- زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله؛ فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة؛ بحيث يفضي الهجر إلى دفع الشر وخفيته: كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر والهجر ضعيف؛ بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته: لم يُشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر أنفع لبعض الناس من التأليف؛ ولهذا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألف قومًا ويهجر آخرين؛ كما أن الثلاثة الذين خُلفوا كانوا خيرًا مِن أكثر المؤلفة قلوبهم، لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم؛ فكانت المصلحة هي في تأليف قلوبهم، وهؤلاء الثلاثة الذين خُلفوا: كانوا مؤمنين، والمؤمنون وساهم كثير؛ فكان في هجرهم عز للدين، وتطهير من ذنوبهم، يقول (ابن تيمية) - رحمه الله: «إذا عرفت هذا فالهجرة الشرعية؛ هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله؛ فمن هجر لهوى في نفسه، أو هجر هجرًا غير مقبول به: كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانة أنها تفعله طاعة لله.» يقول (ابن تيمية) - رحمه الله - في موضع آخر: «فإذا لم يكن في هجرانه انزجار أحد ولا انتهاء أحد؛ بل بطلان كثير من الحسنات المأمور بها لم تكن هجرة مأمورًا بها.» فتأمل جيدًا كلام الشيخ -رحمه الله-؛ فإنه حسن جدًّا، وفيه قاعدتان عظيمتان، فضلًا عما سقناه لأجله، وهاتان هما؛ نوردهما في البندين التاليين.

ثالثًا: لا تقدم على العقوبة لأي كان إلا إذا تأكدتَ بأنها ستؤدي المراد منها؛ من إصلاح الحال، أو تحسين الحال، أما إذا لم تكن كذلك، أو كان سيترتب عليها من وقوع الشقاق وخلاف القلوب ما يغلب على مصلحتها: فلا خيرة لها قط، بل يجب آنذاك فرض العقوبة؛ لأنها ليست مرادة لذاتها، بل هي في ذاتها فساد، وإنما هي مرادة لغيرها؛ لتحقيق مصلحة أو دفع شر ناجز أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت