الصفحة 67 من 74

أشبه تلك الكلمات الرقيقة التي تلقى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض سراياه عند عودتهم مظفّرين؛ فقال: «أفلحت الوجوه.» فقالوا: بل أفلح وجهك أنت يا رسول الله، كلمات رقيقة تؤدي المعنى، بدون إفراط ولا تفريط، عمومًا: ينبغي ألا ينسى الأمير بطريقة أو بأخرى إثابة المحسنين المتقنين لأعمالهم، أما المتكاسلون [فبمعاقبتهم] . والعقاب هنا ليس إقامة الحدود، فلها مجالها الآخر، لكن نتكلم في العقاب الذي يضعه الأمير في غير موقع من مواقع العمل الإسلامي، العقاب يكون أحيانًا أسلوبًا ناجحًا في العلاج، ولكن كما قالوا: إن آخر الدواء الكي؛ فلا يُلجأ إليه إلا بعد استنفاد ما عداه من وسائل الإصلاح، وكذا لا يتم استخدامه إلا بعد التأكد أنه سيؤثر في الإصلاح أو سيمنع الفساد، أو سيحول دون اقتداء البقية الباقية من الصالحين المخطئين؛ فكما ورد في الأثر: «إن المعصية إذا ظهرت ولم تُغَيَّر: أضرت العامة.» كما لو دأب مثلًا أخٌ على الاعراض على عامة المسلمين، ولم يجد من أميره أي إنكار عليه: فسوف يتمدى في هذا، وبل سيقتدي به غيره، خاصة وهو يعلم أنه لن يترتب على هذا أي عقاب، حدوث مفسدة أكبر من مفسدة الخطأ ذاته. فقررنا نحن هنا اللجوء إلى العقاب؛ فلنتدرج مبتدئين من الأسهل إلى الأشد على النفس، مع مراعاة للعقاب المناسب لحجم الخطأ، وليُغفر لأصحاب السوابق الخير، ومن اشتهر عنه الجد في العمل يغفر لهم ما قد يصدر منهم على سبيل الزلل لا الدوام.

ولتحرص أخي المسؤول على إزالة العقوبة وآثارها بعد زوال أسبابها، وليكن مفهومًا لدى إخوانك أنك لا تعاقب إلا للإصلاح، لا للتشفي ولا للانتقام، ولا تحاول تصيّد الأخطاء، هذه القواعد لو التزمنا بها: فسوف يكون العقاب أداة فعالة في تصليح الأوضاع، وتحسين الأداء في المستقبل؛ ولأهمية هذا الأمر: سوف نحاول استعراض الأمر بشيء من التفصيل المناسب.

أولًا: لا تلجأ إلى العقاب إلا بعد استنفاد ما تقبله من وسائل الإصلاح؛ فليس من اللائق أن تصطاد للأخ أول تقصير ثم توبخه عليه، بل اترك له الخطأ الأول وتغاضَ عنه، وانصحه نصح الشفيق بلا أدنى توبيخ؛ فكثيرًا ما تحصل استجابة بهذه النصيحة، خاصة إن كانت بينك وبينه دون ثالث من الخلق، وقد تكتشف أن خطأه غير مقصود بالمرة، بل هو لجهله بالأمر وبكيفية تنفيذه، وقد يفعل ما لا يصح وهو يظن أنه لا حرج في فعله، فيكون المطلوب هو مجرد تعريفه. ولذا قال (الغزالي) -رحمه الله- وغيره من العلماء: «إن أول درجات تغير المنكر هو التعريف فإن عرف ولم يمتثل: فالنصح بالقول اللطيف.» وقد تكتشف أن مشكلة ما يمر بها هذا هي السبب في تدهور أحواله وأدائه؛ فتكون مساعدتك له على حلها هي أنجح خدمة تقدمها له وللعمل أيضًا، الذي سيستفيد كثيرًا عندما يتحسن أداء هذا الأخ.

ثانيًا: قضية التدرج في العقوبة؛ ليس من المناسب أن نبدأ بالكلمة القاسية قبل كلمة العتاب الرقيقة، ونذكر الدكتور (عمر عبدالرحمن) في أحد المرات كان أحد الإخوة لا يستجيب للأمر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت