هذا الكلام موجه لأي مسؤول كبرت مسؤوليته أم صغرت، يجب أن يعلم أن الإنسان الذي يعمل تحت إمرته أو تحت مسؤوليته: يحتاج فوق إبلاغه بمهمته أو مسؤوليته المحددة إلى حث على القيام بها، وتدريب على كيفية أدائها، وإلى إيجاد وسط صالح يمكنه من العمل بكفاءة وبلا معوقات، وإلى مراعاة لظروفه وأحواله وتقلباته، فإذا لم يقم المسؤول بهذا كله، فمن يا ترى الذي سيقوم بهذا؟! أظنك وقد ابتليت بشيء من المسؤولية؛ قد عرفت الآن لماذا يمكث العمل في بعض المواقع بلا حراك، رغم توفر كل الإمكانيات والأفراد، ووجود خطة للعمل؛ إنه غياب روح جسد العمل، وهو الذي جعله يمكث كالجثة الهامدة.
أتدري ما روح العمل؟ إنه التوجيه. أتدري من المسؤول عن دفع هذا الروح في جسد العمل الإسلامي؟ إنه القائد في كل موقع. ووظيفة التوجيه تكاد تكون هي الوظيفة القيادية الوحيدة التي لم يقدر على القيام بها إلا المسؤول؛ فقد يوكل المسؤول إلى غيره أمر تخطيط العمل، ويصوب إليه، ويصوب آخر قضية وضع التنظيم الملائم له، ويكلف ثالثًا بمراقبة سير العمل، لكن الذي لن يستطيع بأي حال من الأحوال تفويضه إلى غيره: هو التوجيه. ولو لم يحدث التوجيه فلن يكون هناك عمل قط، ولو تم التوجيه بطريقة خاطئة: فسيكون التنفيذ بأسلوب خاطئ. وخطورة التوجيه أنه لا يؤثر فقط في أداء الأفراد، وإنما يؤثر قبل ذلك على سلوكياتهم وأخلاقهم وعلى قلوبهم وأفهامهم، إنه يساهم بدرجة كبيرة جدًّا في صياغة النفس البشرية؛ فإن أهملناه أو أخطأنا فيه: فإن أقل النتائج التي ستحدث هي اعوجاج شخصية الأفراد، فضلًا عن سوء أداء العمل؛ لذا يجب على كل مسؤول أن يحسب ويراقب جيدًا أقواله وأعماله أثناء وجوده بين إخوته في وقت أداء العمل أو غير ذلك، ويجب أن يقيس معاملته إياهم وسلوكه عامة على المعيار الأمثل؛ وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما وجد من قصور أو غلو: فليحمل نفسه حملًا على تغييره، قبل أن يؤثر في صورة سيئة في إخوانه، وعندها قد لا يُمَكَّن من تعديل ما اعوج وقد اتسع الخرق على الراقع.
وسوف نضرب مثلًا لحُسن التوجيه، مثال واحد من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه من الدروس القيمة ما فيه. المثال: روي في الصحيح، ورواه (معاوية بن الحكم السلمي) -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله [في الصلاة] فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! [الثكل: هو المصيبة والخديعة] ، ما شأنكم تنظرون إليّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني: كدت أن أستمر في الكلام، لكني سكتت، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [يقول (معاوية) قبل أن يذكر طريقة التعليم انظروا] : فبأبي هو وأمي؛ ما رأيتُ معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كرهني ولا ضربني ولا شتمني، وإنما قال: «إن هذه الصلاة لا يصح فيهما شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.» [الحديث في مسلم] .