الصفحة 21 من 72

ومن أمثلة ذلك أيضًا ما ذكره الفقهاء في جهاد الدفع أنه يُقدَّم على إذن الوالدين والإمام والسيد والزوج وسداد الدين، رغم تعظيم الشريعة لبر الوالدين وإيجابها للوفاء بحقهما وجعلها ذلك البر في مرتبة تلي مرتبة توحيد الله وعدم الإشراك به، وكذلك تشديد الشريعة على وجوب طاعة الإمام وهي بيعة عظمى وقدرها في الشريعة عظيم، وكذلك تشديد الشريعة على حق السيد والزوج، حتى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمر الزوجة أن تسجد لزوجها، وكذلك تعظيم الشريعة لأمر الدَّين حتى أنه يغفر للشهيد كل شيء إلا الدَّين، لكن دفع الصائل يُقدَّم على جميع ذلك عند التعارض.

وكذلك في مسألة التترس، فإنه لما تعارض الجهاد مع قتل الأنفس المعصومة من أهل الإسلام جاز قتلهم لتترس العدو بهم، رغم شدة تعظيم الشريعة لدماء المسلمين المعصومة، حتى أنها جعلت زوال الدنيا وهدم الكعبة حجرًا حجرًا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم، وقد توعد الله من قتل مسلمًا بغير حق بالغضب واللعن والعذاب العظيم في جهنم.

وكذلك ما أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لو ضاق المال عن إطعام جياع والجهاد الذي يُتَضرر بتركه، قدَّمنا الجهاد وإن مات الجياع [1] .

وعلى هذا الأصل يتفرع كثير من المسائل، وفي الشريعة كثير من الأمثلة لذلك.

ولهذا لما قام جهاد التتار خرج شيخ الإسلام ابن تيمية ~ يقاتل مع المماليك، مع ما فيهم من أشعريةٍ وتصوفٍ وفسقٍ ومعاصٍ، وأقسم أنهم الطائفة المنصورة كما هو معلوم، مع كونه من أكثر الناس تفنيدًا وإبطالًا لجميع بدعهم وشبهاتهم، لكن الفقه يقتضي عند الجهاد وصولة العدو اجتناب التخذيل وتفريق الصف والتحريش

(1) الفتاوى الكبرى، 5/ 537.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت