بين المجاهدين بدعوى الانحراف العقدي، ولو كان ذلك على معنى النصح وإنكار المنكر كما يتصور البعض، بل الفقه يُحرِّم ذلك ويجعله من الكبائر ومن جنس أفعال المنافقين والمرجفين والمخذِّلين، بل يكون الواجب الشرعي في مثل هذه الحال السكوت عن المنكر وعدم إنكاره، ويكون هذا السكوت من المعروف الذي ينبغي الأمر به، ويكون إنكار المنكر في هذا الحال من المنكر الذي ينبغي إنكاره والنهي عنه.
وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية ~ لمثل هذا النوع من المسائل في كلام له فيه فقه نفيس، فقال: (إذا كان الشخص أو الطائفة جامعين بين معروف ومنكر بحيث لا يُفَرِّقُونَ بينهما، بل إما أن يفعلوهما جميعًا أو يتركوهما جميعًا، لم يَجُز أن يؤمروا بمعروف ولا أن يُنهوا عن منكر، بل يُنظر؛ فإن كان المعروف أكثر أُمِرَ به، وإن استلزم [1] ما هو دونه من المنكر، ولم يُنه عن منكر يستَلزِمُ تفويت معروف أعظم منه [2] ، بل يكون النهي حينئذ من باب الصد عن سبيل الله، والسعي في زوال طاعته وطاعة رسوله وزوال فعل الحسنات) [3] .
والمتأمل لكلام شيخ الإسلام يجد فيه من العلم الراسخ والفقه العظيم ما لو قاله أحد غيره في زماننا لرُمِيَ بتمييع الحق وتلبيسه بالباطل والتأصيل والترقيع للشر والانحراف، وهي كلمات عظيمة يطلقها البعض اليوم على مخالفيهم عند الخصومة، وليست من العلم أو الحق في شيء.
(1) أي وإن استلزم فعل هذا المعروف حصول ما دونه من المنكر تبعًا له.
(2) أي إذا كان ترك المنكر يستلزم تفويت معروف أعظم منه، فلا يُنهى عنه.
(3) مجموع الفتاوى، 28/ 129 - 130.