ومما يتعارض مع كلام ابن تيمية ما يفعله البعض من إكثار الحديث عن أخطاء المجاهدين-سواء كانوا جنودًا أو أمراء- والقدح فيهم وذم بعض أفعالهم، بدعوى أن هذا من النصح الواجب ومن إنكار المنكر والصدع بالحق وإبراء الذمة، ولو تأمل الفاعل لوجد أن حقيقة ومآل فعله تفريق صف المجاهدين وإضعاف شوكتهم، وهذا لا شك يُضعف الجهاد ويسبب تسلط الكفار على المسلمين وما يتبع ذلك من ذهاب الدين وجميع ما فيه من معروف، وتسلط الكفر وجميع ما فيه من منكر أعظم من المنكر الذي ينهى عنه الناصح.
فمتى كانت النصيحة على هذا الوجه فإنها لا تجوز، لما يترتب عليها من منكر أكبر من المنكر الحاصل، وإذا كانت الشريعة قد غيَّرت كيفية الصلاة ونهت عن إقامة الحدود في الغزو وأجازت قتل الأنفس المعصومة عند التترس بها، وكل ذلك لأجل مصلحة الجهاد، فتأجيل النصح أو الإسرار به وعدم إظهاره في مثل هذه الحال من باب أولى، وذلك تحقيقًا لمصلحة الجهاد وحفظًا لصف المجاهدين من التفرق والضعف وذهاب الشوكة، والزعم بأن ذلك من كتم الحق والنصيحة ومن السكوت عن إنكار المنكر وأنه داخل في معنى خيانة الأمة، ليس من الفقه في الترجيح بين الأعمال عند تعارضها.
وقد ذكر الإمام ابن القيم عن شيخه ابن تيمية قوله: (مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعهم) [1] .
(1) إعلام الموقعين، 4/ 340.