فهرس الكتاب
وهذا من عظيم فقه الإمام ابن تيمية ~ في النظر إلى المقاصد والمآلات قبل الحكم على الأشياء والفتيا فيها، وعدم الاكتفاء بظواهرها، وإذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية قد أنكر على من أنكر على شاربي الخمر -مع كون الخمر من الكبائر المقطوع والمعلوم من الدين بالضرورة حرمتها ولعن شاربها، وفيها حد من حدود الله- ونهاه عن ذلك الإنكار، لما يترتب عليه من مفسدة أعظم تُفضي إلى تسلط الكفار على المسلمين وما يتبعه من هلاك للنفس والمال والعرض، فلا شك أن كل إنكار للمنكر يحقق المآل الذي أنكره الإمام ابن تيمية من تسلط الكفار على المسلمين وإهلاكهم للنفس والمال والعرض، فإن هذا الإنكار يكون في هذا الحال من المنكر الذي ينبغي إنكاره كما فعل ابن تيمية، ويدخل في ذلك كل إنكار للمنكر يؤول إلى تفريق صف المجاهدين وإضعاف شوكتهم، لأن مآله انتصار الكفار عليهم وتسلطهم على أهل الإسلام.
وليس المراد ترك جميع الأخطاء والمنكرات والسكوت عنها مطلقًا، فضلًا عن التشريع لحصولها، وإنما المراد الفقه في النصح والإنكار، ومراعاة مآله من جهة المصالح والمفاسد، ومن ذلك أن يكون النصح سرًا ويوجه لأصحاب الشأن دون غيرهم، إن كان في إعلانه غلبة ظن وقوع هذه المآلات الفاسدة، وحصول التفرق ووقوع الشحناء والضغائن في النفوس، فإن كان لابد من إعلانه فيُنتقى في ذلك العبارات العلمية الهادئة، بعيدًا عن الأسلوب الحاد غير المؤصل، والذي يُدخل الشيطان ويُوقع الفرقة والنزاع والخصومة، وهذا جريًا على قاعدة أهل العلم أنه لا يجوز إنكار المنكر لو كان يؤدي إلى منكر أعظم منه، ولا شك أنه من أعظم المنكر تفرق صف المجاهدين وذهاب شوكتهم وتسلط الكفار على بلاد الإسلام.
وهذا الفقه في مراعاة المآل في النصح والإنكار هو من فقه وعمل الصحابة، ومن ذلك ما رواه البخاري عن ابن عباس أن رجلًا قال في موسم من