الصفحة 56 من 72

صدع بالحق وأدى ما عليه من أمانة العلم والدعوة، فهذا وإن كان ظاهره الدندنة حول التوحيد، لكنها دندنة حول فهم أعوج منحرف للتوحيد لن تجني الأمة منه إلا مزيدًا من الغلو والانحراف.

وليس المراد من ذلك التزهيد في الكلام والدعوة وتربية الأمة على الإيمان والتوحيد، وإنما المراد اتباع المنهج الرباني والنبوي في ذلك، وهو لا شك منهج بعيد عن الخصومات التي نراها بين الناس باسم التوحيد، والتوحيد منها براء.

ومسائل الإيمان والتوحيد ليست مسألة أو مسألتين يحصر البعض حاله فيها ولا يخرج عنها، ويريد للأمة أن تحصر نفسها معه فيها، وإلا فهي منحرفة عن التوحيد يجب دعوتها إليه دون غيره حتى تدخله، ثم تُعَلَّم باقي أمور الإسلام بعد دخولها من هذا الباب، فهذا ليس مِن فَهْمِ التوحيد في شيء، فمسائل الإيمان كثيرة ومتشعبة، والأمة بحاجة لها جميعًا، فالعبودية والحاكمية والولاء والبراء من الإيمان والتوحيد، وكذلك تعظيم الله ومحبته والرضا بقدره والتوكل عليه والإيمان باليوم الآخر ونعيم وعذاب القبر والبعث والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار وغير ذلك من أمور الاعتقاد، جميع ذلك وغيره من الإيمان والتوحيد، وكله مما تحتاجه الأمة في حياتها، ومما ينبغي تربيتها عليه، ومما دخلها الانحراف فيه وفي فهمه والعمل به.

والقرآن وإن كان كله عن التوحيد، لكن المتأمل فيه يجد أن آيات الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار تبلغ أضعافًا مضاعفة آيات الكفر بالطاغوت، بل إن هذه لا تُقارن بتلك، مع أن القرآن نزل في زمان غرقت فيه الأرض بالكفر والشرك وعبادة الطواغيت، ولهذا كان الإسلام فيهم غريبًا، وهذا له دلالة ينبغي التنبه لها وعدم الغفلة عنها، وفقه هذا الباب مهم لمن أراد تربية الناس تربية إيمانية ربانية سنية، ومحاولة بناء المرء إيمانيًا وعقديًا على غير ذلك يٌولِّد الغلو، ومن زعم أن هذا الكلام فيه تمييع للتوحيد وتهوين للكفر بالطاغوت فليوجه اتهامه للقرآن أولًا!، فالقرآن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت