الصفحة 57 من 72

الذي يتكلم كله عن التوحيد هو من قرر ذلك، ولا يستقرئ أحد القرآن في هذا الباب إلا ويخرج بهذه النتيجة لا محالة، وهذا باب من العلم لا يستوعبه المقام، ويحتاج لمصنف خاص به.

ومن المسائل المهمة في هذا الباب أن يُنظر إلى القرآن على أنه كتاب تربية وهداية وبناء للعبد المسلم والأمة المسلمة، لا مجرد كتاب يقرر أحكامًا وقواعد، وإن كان لا يخلو من ذلك، لكنه كتاب تربية وهداية قبل أن يكون كتاب قواعد وأحكام.

والقرآن حين ينبي المسلم بناء إيمانيًا فإنه يراعي في ذلك التوازن، ومن صور هذا التوازن في البناء الإيماني والعقدي للمرء أنه يهتم بمسألة الإيمان بالله واليوم الآخر أكثر من اهتمامه بمسألة الكفر بالطاغوت، ولهذا جاءت الآيات في الأولى أضعاف الثانية، حتى أن القارئ للقرآن ليصعب عليه حصر آيات الإيمان باليوم الآخر، بينما يسهل عليه كثيرًا حصر آيات الكفر بالطاغوت، وكلاهما من الإيمان، وليس المراد التزهيد في مسألة الكفر بالطاغوت، لكنه التوازن في البناء العقدي للعبد المسلم والأمة المسلمة، وهذا هو المنهج الذي نزل به القرآن، والذي اتبعه النبي (في تربية أصحابه، فأخرج لنا بذلك جيلًا قرآنيًا فريدًا كما سماه سيد قطب ~، وهذا المنهج القرآني النيوي مخالف للمنهج الذي يتبعه البعض في زماننا بزعم التوحيد، وهو في حقيقته بعيد عن التوحيد الصحيح الذي أراده الله - سبحانه وتعالى -، لأنه منهج يُولِّد الغلو ويبتعد بالمرء عن التوازن السُّنِّي، ومخالف للمنهج الرباني القرآني والهدي النبوي في التربية والبناء.

كذلك مما يتعلق بمسألة التوازن الرباني في التربية والبناء ألا يُقتصر في تربية وبناء المرء أو الأمة على الجانب العقدي دون غيره، فضلًا عن أن يُقتصر على بعض جوانبه وبعض مسائله، لأن اقتصار التربية على الجانب العقدي يولد الغلو،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت