الصفحة 61 من 72

الصادق الأمين، خلقه القرآن، وطعنوا في دينه وأمانته زاعمين أنه يتستر بدعوته رغبة في المال والملك والشرف وغير ذلك، فلم يقابل الإساءة بالإساءة، وقال له عمه: (ما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به) ، وقال له: (تبًا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟!) ، وقيل فيه: {لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ} [1] ، فلم يصرفه ذلك عن حسن خلقه، وبقي هو كما هو قرآنًا يمشي على الأرض كما يُذكر في وصفه.

وكان النبي (لا ينتقم لنفسه قط، وكذلك كان حال الرسل والأنبياء &، ومثال ذلك يوسف # حين قال لإخوته الذين آذوه وكانوا سببًا في سجنه: {لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين} [2] ، فهذه هي أخلاق دعوة التوحيد التي أمر الله بها وأرسل بها الرسل والأنبياء &.

أما أن تكون دعوة التوحيد قوامها السب والشتم والطعن في المخالف وتحقيره وتسفيهه والاستهزاء به والسخرية منه والانتقام والانتصار للنفس منه، وتكون مصحوبة بكلمات من نوع: (السخفاء والحمقى والزعران والمغفلين والهمل والكذابين والغربان والأرعن والوسخ والمزابل والتفاهات والسفاهات والخربشات والأحقاد وأُفٍ لكم وتُفٍ لكم وتَبًا لكم) ، وغير ذلك من الألفاظ التي يستعملها القوم في كتاباتهم [3] ، فليس هذا من أخلاق دعوة التوحيد بحال، ولا هو من أخلاق

(1) المنافقون: 8.

(2) يوسف: 92.

(3) ومن أمثلة ذلك أيضًا"القصيدة التُفتُفِيَّة"لأبي محمد المقدسي، وفيها من الألفاظ البذيئة ما لا يُصدق عاقل أنها تخرج من حديث عهد بالتزام فضلًا عمن يقال له"شيخ التوحيد"!، ولولا الحياء لنقلت بعضًا من تلك الألفاظ في رسالتي هذه، لكني أتحرج من تلويث هذه الورقات بما كتبه في قصيدته من ألفاظ قبيحة لا يتصور الناس أن تخرج ممن نال حظًا من تربية!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت