الصفحة 9 من 72

وهذا الرد في مواطن الخلاف والتخطئة يعني أن قائله لا يتصور الخطأ من شيخه، وهذا نابع من تصور العصمة فيه، وهذا كذلك لا يكون إلا للرسل والأنبياء، ولهذا لو قال أحد من الناس: لقد أخطأ فلان من الأنبياء، لأجابه الناس: هذا نبي معصوم لا يجوز وصفه بالخطأ.

فمن فعل ذلك مع غير الأنبياء، بأن يرد على من قال: لقد أخطأ فلان من الشيوخ، فيكون جوابه: فلان هذا إمام وعالم، وكلامك هذا طعن فيه وإسقاط له، فهذا الجواب منه في هذا الموضع لا يفيد إلا تصور العصمة -وهذا داخل في الإطراء المنهي عنه لتعارضه مع تعظيم الله - سبحانه وتعالى - الذي هو أصل في التوحيد-، لأن الأصل في النزاع الرجوع للكتاب والسنة، كما قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [1] ، لا الرجوع لمنزلة الشيخ وعلمه وإمامته، هذا إن سلمنا بكونه عالمًا وإمامًا، إذ الرجل لا يكون إمامًا في الدين إلا إذا كان رأسًا في هداية الناس، وقدوة لهم في الصبر واليقين، لقول الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون} [2] ، فأما من كان رأسًا في الخصومة ورمي مخالفيه بالباطل، مفتريًا عليهم متهمًا لهم في دينهم، منتصرًا لنفسه عليهم لا يصبر على أذاهم له، فهذا لا يكون إمامًا في الدين بحال، بل هو إلى الإمامة في الشر والضلال أقرب.

فإذا أضيف إلى ما سبق وصف هذا الشيخ بأنه لا يمكن أن يوفيه الناس حقه ولو امتلأت الصفحات وفنيت الكلمات، على طريقة لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ

(1) النساء: 59.

(2) السجدة: 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت