الصفحة 10 من 83

فإن عارضنا أوامر الله ونواهيه بعقولنا فقد خرج المعارض من دائرة الإسلام؛ لأنه ناقض معنى الاستسلام الذي هو مقتضى (لا إله إلا الله) أي لا معبود حقٌ إلا الله، والعبادة كمال الذل مع كمال الانقياد والمحبة، وجدير بالذكر أن هناك فارق بين المعارضة وبين ارتكاب المعصية هوىً، فارتكاب المعصية اتباعًا للهوى يكون مع الإقرار بأن المُرتكَب معصية، وأن الفاعل مذنب، وهنا لا قدح في أصل الانقياد وإن قُدح في كماله، وأما المعارضة فهي قدح في أصل الانقياد يؤدي إلى الخروج من دائرة الإسلام الذي هو الاستسلام.

وقد بالغ البعض في تكميل الاستسلام حيث زعموا أن الأصل مخالفة الأحكام لمقتضيات العقول وأن أوامر ونواهي الشريعة غير معللَّة، ولا حكمة فيها معقولة، وأن الغرض الأساسي من هذا اختبار كمال الاستسلام، وهذا ما ذهب إليه الأشعرية والظاهرية وعلى رأسهم ابن حزم - رحمه الله - [1] ؛ ولكن أهل السنة والجماعة على أن أحكام الشريعة موافقة لمقتضيات العقول السليمة وأن الحكمة فيها معقولة مُدرَكة، ولكن إن عجز العقل عن إدراكها فهذا لقصور فيه يلزم منه التسليم لحين تظهر له الحكمة، إن أظهره الله عليها [2] .

فالخلاصة أن إجماع المسلمين منعقد على وجوب اتباع أوامر الله عز وجل واجتناب نواهيه وافقت العقل أم لم توافقه -وإن كان عدم الموافقة ظاهريًّا-.

هذا التمهيد من الأهمية بمكان لهذا الباب، بل لهذه الرسالة كلها؛ وذلك لأن كثيرًا من مواضيع التمايز بين دولة الإسلام وغيرها، أدى الهجوم العالمي عليها بالإضافة إلى العمالة الداخلية بين صفوف المسلمين -بحسن أو سوء نية- إلى خلخلة في قبول المسلمين لها، وشعورهم -حتى إن لم يصرحوا به- بعدم توافقها مع العقل -في زعمهم-، أو مع الإنسانية أو مع مقتضيات العصر الحديث، وغيرها من المصطلحات التي يحاول أن يسلب بها الأعداء عقول المسلمين أو بالأحرى دين المسلمين عبر عشرات بل مئات السنين من الحرب المنهجية المنظمة على الفكر الإسلامي في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، وعلى كل صعيد ممكن.

(1) راجع كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم باب"إبطال القول بالعلل في جميع أحكام الدين" (8/ 546) .

(2) صنَّف ابن تيمية - رحمه الله - كتابًا كاملًا من عشرة أجزاء في هذا المعنى؛ سماه"درء تعارض العقل والنقل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت