إن إيمان المسلم بالبعث والنشور والجنة والنار، ليس محله تصديقًا بقلبه فقط، إن هذا الإيمان ينعكس بل ويتحكم في كل جزئية من جزئيات حياته، ومن ثم فهو ينعكس ويتحكم في كل جزئية من جزئيات دولة الإسلام.
ويمكن ببساطة إجمال هدف ومقصد دولة الإسلام في النجاح بالعبور بالناس على جسر الدنيا إلى مستقرهم في جنة الرحمن، أو بعبارة أخرى (إصلاح الدنيا من حيث هي مطية -وفقط- للوصول للآخرة) .
ومن هنا نستطيع أن نفهم جيدًا ماهية الضرورات الخمس التي تحفظها دولة الإسلام وكيفية ترتيبها ووسيلة حفظها.
وغنيٌّ عن البيان أن حفظ هذه الضرورات يكون بأمرين:"أحدهما: ما يقيم أركانها ويثبت قواعدها وذلك عبارة عن مراعاتها في جانب الوجود، والثاني: ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع فيها، وذلك عبارة عن مراعاتها في جانب العدم" [1] .
والتمايز هنا واضحٌ -وضوحَ الشمس في يوم مصيف لا يحول دونها غمام ولا غبار يشوي حرها جلد الأعمى فضلًا عن أن يراها البصير- بين دولة الإسلام والدولة العلمانية، هذا التمايز يتعدى بكثير زيادة مقصد حفظ ضرورة الدين، إلى المعنى والغاية من حفظ باقي الضرورات.
وذلك لأن الدولة العلمانية وإن قصدت حفظ النفس والنسل والمال والعقل [2] -دون حفظ الدين-، فإن حفظها لهذه الضرورات الأربع حفظ لقيامها ومصالحها في الدنيا فقط دون أي اعتبار للآخرة، فحفظ النفس -وهو ما يسمونه الحق في الحياة- يُقصد به إقامة هذه النفس لتستمتع بملاذ الدنيا وطيباتها، دون أي حدود أو قيود إلا ما يتعارض مع حقوق الآخرين، أو مع مصلحة المجتمع في بعض النظم، فالغرض -عندهم- من حفظ النفس هو حفظ النفس.
(1) الموافقات للشاطبي (2/ 18) .
(2) هذه مقاصد الدول العلمانية بالاستقراء، سواء قصرت بعضها في جانب من هذه الضرورات أو زادت في أخرى، سواء اتبعت في ذلك وسائل فاشلة أو ناجحة، فإن قيل مثلًا: إنها لا تهتم بحفظ العقل لإباحة أغلبها الخمر، قلنا: إنهم يزعمون أن الخمر لا يفسد العقل على الدوام، بدليل تحريم أغلبها -إن لم يكن كلها- المخدرات لإفسادها العقل، كما أنها تحارب إدمان شرب الخمر والإسراف فيها، وهكذا.