الصفحة 15 من 83

ومن ثم يُفهم إطار حفظ الضرورات الأربع من نفس ومال ونسل وعقل، من حيث هم مكونات الدنيا إجمالًا، أن هذه الدنيا تحافظ عليها الدولة العلمانية لأجل الدنيا وفقط، فهي ليست جسرًا ومطيةً للوصول لغيرها بل هي غاية في ذاتها، وإن وُجد في الدولة العلمانية أكثرية أو أقلية تؤمن باليوم الآخر والجنة والنار فإن هذا لا يؤثر على هدف الدولة ومقصدها.

وقد ذهب مفكرو ومنظرو الدولة العلمانية -ليبرالية كانت أو اشتراكية أو رأسمالية أو شيوعية أو فابية أو غيرها- مذاهب شتى في تفسير وتبرير التناقض بين أهداف الدولة العلمانية ومقاصدها وأهداف ومقاصد المؤمنين بالجنة والنار فيها، يجمعها كلها قوله تعالى: {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} [التوبة:45] .

ومناقشة هذه التبريرات والتناقضات يخرج كثيرًا عن إطار هذه الرسالة، لكن ما يهمنا هنا أن نفهم التمايز الصارخ بين أهداف ومقاصد دولة الإسلام وأهداف ومقاصد الدولة العلمانية.

هذا التمايز هو الذي يفسر كيف تدخل دولة الإسلام حروبًا تُزهق فيها آلاف بل عشرات الآلآف من النفوس المسلمة، حتى يصل الدين إلى البربر أو الزنوج أو غيرهم في الصحارى والجبال والجزر حيث لا نفع اقتصادي مرجو، بينما تنسحب أقوى دولة علمانية في التاريخ من أرض دولة تزعم أنها تسعى لنشر الديمقراطية فيها عندما تفقد أقل من عشرين من رجالها [1] ، ذلك أنه لا يوجد لديها مبرر يُعرِّض ضرورة حفظ النفس للخطر، نعم؛ قد تتحمل الدولة العلمانية خسائر بشرية أكبر من ذلك بكثير إذا كان هناك ما يستدعي -في ضوء مصلحة الدنيا- ذلك، مثل الحفاظ على باقي الأنفس أو مصلحة اقتصادية كلية لا تقارن بالفاقد الجزئي في النفس بما يعود في النهاية على المجموع بمصلحة دنيوية تستحق.

أما في سبيل الدين أو نشره فهذا يخرج تمامًا عن نطاق أهدافها ومن ثم تحركاتها.

في ضوء هذا التمايز نستطيع أن نفهم بسهولة كيف دخل عقبة بن نافع بقوائم فرسه المحيط الأطلنطي -قادمًا من شبه جزيرة العرب- قائلًا بصدق لا يُشك فيه:"لو أعلم أن وراء هذا البحر أرضًا لغزوتها في سبيل الله".

(1) الغزو الأمريكي للصومال عام 1990.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت