في ضوء هذا التمايز نستطيع أن نستوعب قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ} [التوبة:123] .
وقوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوَهُمْ} [التوبة:5] .
وقوله تعالى: {وَقَاتِلُوَهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال:39] .
وقوله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [1] .
ولا نحتاج إلى التعليلات الباطنية في التأويل، ولا السفسطة، ولا البحث عن الأقوال المندثرة التي خالفت الكثرة الكاثرة من علماء المسلمين في تفسير هذه الآيات والأحاديث وغيرها، كل ذلك سعيًا وراء تقارب يستحيل أن يوجد بين دولة الإسلام والدولة العلمانية.
فإن زعم أحد المخنثين [2] أن الدولة العلمانية تحفظ الدين حيث تسمح بوجود دور العبادة وحرية الاعتقاد، فالرد على هذه السفسطة الباردة هو:
أنه عندما نقول حفظ الدين، فالدين المُعرَّف بالألف واللام هذا، ليس إلا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره من أحد -كما سبق وبينَّا في مقدمة هذا الباب- فدولة الإسلام تحفظ الإسلام فقط، وتسعى جاهدة إلى تحويل كل البشر إلى اعتناق هذا الدين الذي لن ينجيهم غيره من جهنم، هكذا في وضوح شديد لا يُجادِل فيه مسلم.
ثم في هذا الإطار أيضًا يتجلى عمق التمايز بين دولة الإسلام والدولة العلمانية، فالمسلم الذي يبدل دينه في دولة الإسلام يُقتَل إن أصر على ذلك ولم يرجع إلى الإسلام [3] ، وذلك تجلٍّ واضح لتقديم حفظ الدين على حفظ النفس، أما في الدولة العلمانية فلا عقوبة عليه أصلًا؛ لأن النفس مقدمة عندها قطعًا على أي دين حقًّا كان أو باطلًا، بل ولا يُعاقَب حتى ماليًّا؛ لأن المال مقدم عندها على حفظ الدين.
باختصار شديد، الدولة العلمانية تحافظ على الدين -إن حافظت عليه ولم تحاربه كما في كثير من
(1) صحيح البخاري (392) ، وصحيح مسلم (20) .
(2) مخنثون لأنهم يزعمون الجمع بين العلمانية والإسلام فلا هم علمانيون ولا هم إسلاميون.
(3) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» صحيح البخاري (6922) .