الدول العلمانية-؛ لأنه مظهر من مظاهر حفظ النفس، فمن مظاهر أو فروع حفظ النفس -عندها- حفظ حرية الاعتقاد، فحفظ الدين عندها هذه حدوده وذلك إطاره.
أما دولة الإسلام فحفظ الدين هو رأس الضرورات التي يهون في سبيلها باقي الضرورات جميعًا، ثم هو مرجع كل الضرورات فهو في النهاية الغاية المبتغاة من الحفاظ على كل الحياة الدنيا.
أَبَعد هذا يدَّعي من له مسحة عقل أن هناك أدنى تماثل في الأهداف بين دولة الإسلام والدولة العلمانية!
{فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج:46] .
وإن كان وضوح التمايز بهذا السطوع بين أهداف دولة الإسلام والدولة العلمانية، فإن السطوع يخفت قليلًا عند مقارنة أهداف دولة الإسلام بالدولة الثيوقراطية أو الدولة الدينية في مفهوم علم السياسة الحديث، والتي سادت أوروبا وغيرها في العصور الوسطى، وإن ظل التمايز واضحًا جليًّا لكل ذي لب.
لا بدَّ أولًا هنا من تقرير أن الدولة الثيوقراطية يمكن تقسيمها إلى أنواع ثلاثة:
الأول: دولة الحاكم الإله، مثل فرعون موسى ونمرود إبراهيم وغيرهما.
الثاني: دولة الحاكم الذي اختاره الإله مباشرة بعينه للحكم، وهو يحكم باسمه ومسؤول أمامه فقط -في زعمهم-، وهذا النوع من الدول ساد أوروبا -خاصة فرنسا- في العصور الوسطى، وأبرز مثال له لويس الرابع عشر في حكمه لفرنسا في القرن السابع عشر الميلادي.
والفرق بين هذين النوعين ودولة الإسلام فارق لا يحتاج لمناقشة، ولم يستطع أن يزعم أحدٌ انتساب دولة الإسلام لأيهما.
أما النوع الثالث: فدولة الحاكم الذي اختاره الإله بواسطة البشر، يقصدون بذلك أن البشر يختارون الحاكم ولكن اختيارهم هذا ليس إلا تعبيرًا عن إرادة الإله أظهرها على أيديهم، هذا الحاكم الذي اختاره الإله بواسطة الشعب -في زعمهم أيضًا- يُعبِّر في أحكامه عن أحكام الله، فلا يُناقَش ولا يُجادَل فيها، وقد اعتنقت الكنيسة هذا المذهب وأصبحت الدولة الدينية بالمفهوم الكنسي هي الدولة التي