الصفحة 31 من 83

الإسلام المتمايزة التي صاغها وصنعها القرآن المتمايز .. دولة الإسلام وفقط.

سبق وأشرنا في الفصل الأول [1] إلى أنواع الدول الثيوقراطية الثلاثة؛ وهي الدولة التي يحكمها الزاعم أنه الإله كفرعون ونمرود، والدولة التي يحكمها الحاكم المعين مباشرة -بزعمهم من الإله-، والدولة التي يحميها الحاكم الذي اختاره الإله بواسطة الشعب -بزعمهم أيضًا-.

كل هذه الصور يميزها -أو بالأحرى يَصِمُها- فيما يخص هذا الفصل أن القوانين أو الدساتير [2] التي يصدرها الحاكم لا تقبل النقض أو الاعتراض أو المناقشة؛ لأن نقضها نقض للإله مباشرة أو بواسطة نائبه، وكذلك الاعتراض والمناقشة اعتراض ومناقشة للإله وهكذا.

وهذه الأحكام تتغير وتتبدل ولكن بواسطة الحاكم وحده أو بواسطة الكنيسة في حالة توليها الحكم، وتحوز بعد تغييرها أو تبديلها نفس الحُججية والقداسة المطلقة فتظل من عند الإله، وفي مثل هؤلاء نزل قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} [التوبة:31] .

وعندما دخل عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه -وكان نصرانيًّا فأسلم- على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو هذه الآية فقال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» ، فقلت: بلى. قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» [3] .

فنظر العميان إلى كون دولة الإسلام تحكم بأوامر الله في الكتاب والسنة والتي لا يحل لمسلم الاعتراض أو النقد أو المناقشة لها فقالوا هي إذًا دولة ثيوقراطية!!

ونسوا أن أوامر الكتاب والسنة لا يشرعها حاكم الدولة كائنًا من كان، ولا يملك أن يبدلها أو يغيرها، بل لا يسعه إلا الانقياد والحكم بها، ولو بدلها أو غيرها خرج عن الإسلام بالإجماع ووجب

(1) راجع (صـ 15) من هذه الرسالة.

(2) الدستور يُسمى بالقانون الأعلى الذي يحدد نظام الحكم في البلد وسلطة السلطات وعلاقاتها ببعضها، وقد يحتوي بعض القوانين العادية، وله طريقة معينة في تشريعه وتعديله في الدولة العلمانية تفرق عن القوانين العادية التي تنظم حياة أفراد الشعب، راجع"الوسيط في القانون الدستوري"لإبراهيم درويش.

(3) المعجم الكبير للطبراني (218) ، وسنن الترمذي (3095) ، وحسنه الألباني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت