الصفحة 32 من 83

خلعه بالإجماع كذلك. [1]

وهذا الفارق الأول الصارخ بين دولة الإسلام والدولة الثيوقراطية، وأصرخ منه أن الإسلام سمح للحاكم فيما لم ينظمه الكتاب والسنة أن يصدر قوانين وتشريعات يلتزم الناس بها، هذه القوانين وتلك التشريعات قابلة للنقد والاعتراض والمناقشة من جميع أهل الإسلام دون أن يطعن ذلك في إسلامهم وإيمانهم، بل إن هذا ممَّا يدل على قوة إسلامهم وإيمانهم، قال صلى الله عليه وسلم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» ، قلنا: لمن يارسول الله؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [2] .

فهي قوانين بشرية قابلة للصواب والخطأ لا تحوز أي قدسية، وإن وجب طاعة الحاكم إذا أصدرها فإن هذا الوجوب الذي تقتضيه مصلحة المجموع وسير الأمور في الدولة كأي نظام موجود بين البشر، ولكن هذا الوجوب لا يمنع بحال أن يراجَع الحاكم فيها فيرجع عنها، أو أن تناقَش فتُعدَّل، أو أن يعترض عليها مع الالتزام بها، بل حتى تفسير الحاكم لأوامر الكتاب والسنة لا يحوز القدسية -كما هو الحال في كنيسة الدولة الثيوقراطية حيث تحوز تفسيراتها القدسية-، فهذا التفسير قابل للنقد العلمي من أي مسلم مؤهل لذلك ولا غضاضة عليه فيه مهما خالف تفسير الحاكم طالما التزم المنهج الذي شرعه الله لتفسير كتابه وسنه نبيه صلى الله عليه وسلم.

هذا التمايز الصارخ بين دولة الإسلام والدولة الثيوقراطية توكأ عليه السفهاء -كما بيَّنَّا- لينسبوا دولة الإسلام إلى الدولة العلمانية، فانهار الجرف بهم في هوة سحيقة ما لها من قرار من الضلال والبعد عن دين الله عز وجل.

فالدولة المدنية أو العلمانية سواء كانت ديمقراطية أو ليبرالية أو شيوعية أو اشتراكية أو غيرهم من الصور، ليس فيها دستور أو قانون مقدس البتة، فكل الدساتير والقوانين قابلة للتغير والتبديل والنقد والمناقشة والاعتراض، والسيادة فيها وحق التشريع للشعب أو حتى طائفة من الشعب -قلت أو كثرت-

(1) يقول ابن كثير:"فمن ترك الشرع المحكم المنزَّل على محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدَّمها عليه، فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين" [البداية والنهاية (17/ 162) ] ، ويقول النووي:"قال القاضي فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك" [شرح صحيح مسلم للنووي (12/ 229) ] .

(2) صحيح مسلم (55) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت