تُشرِّع ما تشاء، تبيح الزنا واللواط وشرب الخمر وزواج المحارم وعبادة غير الله والكفر والإلحاد، أو تُحرِّم كل ذلك أو بعضه لا حجر عليها ولا حكر إلا إرادة الشعب أو إرادة طائفة منه.
في الإسلام لو اجتمع أهل الأرض جميعًا -إنسهم وجنهم- لتغيير أو حتى تعديل قانون واحد من قوانين الله واتفقوا على ذلك بنسبة مائة بالمائة ما حلَّ هذا الأمر ولا تغير ولا تبدل حرف واحد من قانون الله مهما كان الأمر بسيطًا أو فرعيًّا، فلو اجتمع -مثلًا- أهل الإسلام كلهم [1] على إباحة تبرج المرأة ما أبيح التبرج ولو لحظة، وقس على هذا سائر أحكام وقوانين الله عز وجل -وهي كثيرة-، فأين هذا من الدولة المدنية يا أولي الألباب؟!
السيادة في دولة الإسلام -ومن أهم مظاهرها تشريع الدساتير والقوانين- لله وحده لا شريك له، وهو المنطق المتسق مع باقي مفاهيم الإسلام بلا ريب، فمن خلق الخلق هو الذي له أمرهم وحده لا شريك له {أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف:54] تبارك وتعالى، وعندما يُسمَح لحاكم دولة الإسلام بسنِّ قوانين فهو يفعل ذلك بمقتضى وحدود سماح الله له، لا يجاوزه قيد أُنملة، هذه القوانين؛ للمسلمين حق مناقشتها أو الاعتراض عليها؛ لأن الله سمح بذلك، ولو لم يسمح ما جاز لمسلم أن يناقش أو يعترض، حتى لو سُميت الدولة وقتئذٍ بثيوقراطية، ولكن الله سمح.
أما السيادة في الدولة المدنية فهي للشعب أو بعضه أو من يمثلهما، ويُنسب للشعب تشريع القوانين وتصدر باسمه، وهذا ما يتسق كذلك -وبلا ريب- مع المفاهيم الإلحادية اللادينية التي تقوم عليها -وإن جادل المبطلون- الدولة المدنية، فلقد خُلق -في زعمهم- الناس بلا خالق، خُلقوا مصادفة بحتة فلا آمر لهم إلا أنفسهم؛ هكذا تتسق الأمور وتستقيم ولو إلى الجحيم.
أما التخنث ومحاولة المستحيل بمزج سيادة الله بسيادة البشر فهو خيال سمج مريض، وطريق أعرج مشوَّه ولو إلى الجحيم كذلك.
(1) وهو فرض جدلي لا يمكن أن يحدث لأن أمة الإسلام لا تجتمع على ضلال، كما قال - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» رواه البخاري (3640) ، ومسلم (1920) ، وروي عنه - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أُمَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ» رواه ابن ماجة والحاكم والترمذي وقال حسن غريب.