الصفحة 5 من 83

وقف أساطين البلاغة من مشركي العرب حيارى في توصيف القرآن، فقد عرفوا سجع الكهان وليس هذا نظيره، وعرفوا الشعر رجزه وقصيده وليس هذا مثيله، يقول الوحيد فيلسوف قريش- كما يلقبه ابن تيمية [1] - الوليد بن المغيرة:"فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذيٍ من الجنون، فماذا أقول فيه؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقوله شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإنه ليحطم ما تحته وإنه ليعلو وما يُعلى" [2] .

إنه القرآن وفقط، ليس له توصيف آخر من توصيفات البشر إلا القرآن، جنس متمايز مستقل بذاته لا يدخل تحت أي تصنيف من تصنيفات كلام البشر؛ ولا عجب فهو كلام رب البشر.

هكذا وقف مفكرو وفلاسفة وعلماء سياسة ونفس واجتماع العالم حيارى؛ ليصنفوا الإنسان الذي صاغه القرآن، والمجتمع الذي صنعه القرآن، والدولة التي أنشأها القرآن.

فالمسلم ليس خرافيًّا ولا ثوريًّا ولا ماديًّا ولا غيرها من التصنيفات، بل هو مسلم وفقط، جنس متمايز مستقل بذاته.

والمجتمع والدولة ليسا اشتراكيين ولا رأسماليين ولا علمانيين، ولا ثيوقراطيين ولا غيرهم، بل هما من صنع القرآن المتمايز؛ فكانا مثله متمايزين، لا ينعتان ولا يصنفان إلا بالمجتمع المسلم والدولة المسلمة.

إن اتحاد الفرد المسلم بالمجتمع المسلم في إطار الدولة المسلمة كيان تعجز كل التصنيفات والنظريات -القديمة منها والحديثة- عن توصيفه، فلا هو بليفثيان (تنين) هوبز [3] ، ولا بعقد جان جاك روسو [4]

(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (12/ 244) .

(2) تفسير القرآن العظيم لابن كثير (8/ 267) .

(3) هوبز: مفكر إنجليزي توفي عام 1679 م، من أشهر كتبه"الليفثيان"، أي: التنين؛ والذي شبه فيه الدولة بتنين كبير مكون من الشعب، ويُعتبر بداية التفسيرات العلمانية لفكرة الدولة. ["الفكر السياسى من أفلاطون حتى محمد عبده"لحورية توفيق مجاهد، مكتبة الأنجلو المصرية] .

(4) جان جاك روسو: مفكر فرنسي توفي عام 1778 م، من أشهر كتبه"العقد الاجتماعي"الذي يفسر فيه فكرة الدولة بعقد مبرم بين الفرد والحاكم، ويُعتبر كتابه منظر الثورة الفرنسية عام 1789 م، حتى سُمي بإنجيل الثورة الفرنسية، وتعتبر هذه الثورة بداية انتشار الدولة العلمانية في العالم. [انظر المرجع السابق] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت