الصفحة 6 من 83

الاجتماعي، ولا يقرب بحال من دولة نظرية الحق الكنسي في الحكم ولا بغيرهم، بل ببساطة شديدة وبإعجاز أشد: دولة الإسلام وفقط، ولا غرو - كما أسلفنا- أن يكون كذلك؛ فإن الذي أنشأ ذلك الفرد وهذا المجتمع وتلك الدولة هو ذلك القرآن المعجز المتفرد المتمايز.

إن الزعم أنه لا تمايز ولا تفرد في القرآن نظرًا لأن حروف الهجاء المكوَّن منها القرآن نفس حروف هجاء لغة العرب، أو أنَّ ألفاظ القرآن نفسها ألفاظ العرب، أو أنَّ القرآن شعر لأن قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] على وزن بحر"الرمل"من بحور أشعار العرب، لهو سفهٌ بالغٌ مداه ألَّا يقول به أحد من العقلاء.

وكما أنَّ تفرد وتمايز وإعجاز القرآن في تركيب وصياغة هذه الحروف وتلك الكلمات؛ فإنَّ تمايز وتفرد دولة القرآن في تركيب وصياغة أسس ومفاهيم ومكونات ونظم وأهداف هذه الدولة.

فليس لأن المسلم يؤمن بعذاب القبر ونعيمه، يُصنَّف إنسانًا خرافيًّا، ولا لأنه يؤمن بوجوب العمل والأخذ بالأسباب أصبح ماديًّا، وليس لأن دولة الإسلام تأخذ الزكاة من الأغنياء فتعطيها الفقراء أصبحت اشتراكية، ولا لأنها تُقرُّ الملكية الفردية أصبحت رأسمالية.

لو صحَّ أن نقوم بالنظر للأمور بهذه الطريقة لصحَّ النظر للقرآن على أنه مُجرد كلام من كلام العرب، وهو أمر كفى مشركو العرب والوليد بن المغيرة المسلمين الرد عليه.

وإن كان الأمر بهذا الوضوح في دولة القرآن أو دولة الإسلام، فإن من المريع حقًّا أن يحاول بعض المسلمين تصنيف دولة الإسلام خارج هذا الإطار، وإن بُرِّر لغير المسلمين هذا الزعم لينفوا عن هذه الدولة إعجازها الإلهي ويقربوها من باطلهم الدنيوي؛ فإن الغرابة كل الغرابة أن يقوم بهذا الأمر قوم من أبناء جلدة المسلمين يتحدثون لغتهم ويلبسون ثيابهم.

الطامة الكبرى أن الأمر لم يقتصر على مجرد المُسميات والتصنيفات والشكليات، بل تعدى ذلك بكثير إلى محاولة طمس وليِّ وتغيير الحقائق في الأسس والمبادئ والمفاهيم؛ حتى تتوافق مع تلك التصنيفات، فيتلقفون سقطات علماء الإسلام وشواذ الأقوال؛ فإن لم يجدوا أوَّلوا نصوص القرآن تأويلًا يُدهش الباطنية أنفسهم! فإن عجزوا تجاهلوا تلك النصوص، هكذا في منظومة عفنة وتآمر مفضوح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت