الصفحة 52 من 83

وبين حاكمية الشعب وحاكمية الإسلام ما بين الثرى والثريا.

ومرورًا بالتفاصيل والجزئيات والتطبيق العملي والخلفيات التاريخية، نجد الحاكمية المطلقة لله عز وجل في الإسلام، والتي من يعترض عليها أو يناقش أو يشك فيها يخرج من دائرة الإسلام كما فصلنا في فصل تمايز القانون والسيادة في دولة الإسلام، وما سمح الله بمناقشته أو الاعتراض عليه أو تعديله [1] فإن آلية هذا لا تتشابه مع الأسلوب الديمقراطي بحال، فلا يستوي كل أفراد الشعب في هذا الحق وذلك لارتباط شؤون دولة الإسلام كلها بالدين، حتى ما يظهر تعلقه بالدنيا منها فهو ليس إلا باعتباره وسيلة للعبور للآخرة [2] .

فإنه يتساوى -إسلاميًّا- في بداهة منع الاقتراع أو التصويت الشعبي الديموقراطي المباشر أو غير المباشر (البرلماني) على حِل الزنا مثلًا، بداهة منع الاقتراع على حِلِّ زواج المرأة بدون ولي الذي اختلف فيه الفقهاء، أو التعامل بالتقسيط في البيع والشراء الذي اختلف الفقهاء في بعض صوره كذلك، وذلك لأن هذين الموضوعين وما على شاكلتهما وإن كانا خلافيَّين مستساغٌ الخلاف فيهما بين فقهاء الإسلام، إلا أنَّ حسم الخلاف فيهما أو غيرهما ليس من الإسلام بحال من الأحوال أن يكون عن طريق الأغلبية الشعبية، بل له قواعد وأصول حدها الإسلام ولم يُبح لأحد الخروج عليها بحال من الأحوال. [3]

وليس منها بالكتاب والسنة واتفاق علماء الأمة اقتراع العوام عليها واختيار الأغلبية لأحد الأقوال، فاللجوء لهذا يُخرج الأمر عن حاكمية الإسلام ولو كانت النتيجة قول من أقوال الإسلام.

وأكثر من ذلك؛ تتساوى -بداهة كذلك- منع الاقتراع على مسألة تركها الإسلام لتقدير أولي الأمر واجتهادهم، مثل توجيه موارد الدولة أكثر للتعليم أم للتسليح، وللتعليم الديني أم الدنيوي، ومثل غزو مناطق صحراوية يكثر فيها الناس وتقل فيها المنافع الاقتصادية أم غزو مناطق تكثر مواردها -بما ينفع دولة الإسلام اقتصاديًّا- ويقل عدد المدعوين فيها.

كل هذا وغيره لم يجعل الإسلام لعوام الشعب تحديده، وذلك لأن هذه الأمور وإن كان ظاهر

(1) انظر تفصيل ذلك في الفصل الرابع من الباب الأول: تمايز السيادة والقوانين في دولة الإسلام.

(2) انظر تفصيل ذلك في الفصل الأول من الباب الأول: تمايز مقاصد دولة الإسلام.

(3) راجع وسائل التعامل مع المسائل الخلافية في كتاب"سبيل الناجين عند اختلاف المجتهدين"للمؤلف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت