الكثير منها دنيوي إلا إنَّ دولة الإسلام -كما كرَّرنا كثيرًا- لا تعمل للدنيا إلا من حيث هي جسر موصل للآخرة، فالمصلحة الأخروية هي المصلحة المعتبرة في كل قرارٍ أو حركة لدولة الإسلام.
وإن كان مقبولًا أو مبرَّرًا في الدول العلمانية اعتبار الناس متساوين في معرفة مصلحتهم الدنيوية -التي تقوم هذه الدول على حفظها فقط- أو حتى متساوين في معرفة أصولها دون صورها، فإن معرفة مصالح الآخرة والطرق الموصلة لفلاحها التي تسعى إليها دولة الإسلام يختلف فيها الناس أيما اختلاف، ولا يصح في الإسلام بحال أن يقررها ويتحكم فيها العوام.
ولهذا اشترط الإسلام في الحاكم أن يكون مجتهدًا مطلقًا في الدين، فإن تعذَّر يُحاط بالمجتهدين يسألهم.
ثمَّ إنَّ الإسلام رغَّب في الشورى وحثَّ عليها، إلا أنه لم يجعلها ملزِمة للحاكم -لو كان مجتهدًا- بالرغم أنه يشاور أهل الحل والعقد، ولو فرضنا صحة رأي من يراها ملزمة فإن الإسلام جعلها في أهل الشورى الذين يختارهم الإمام، ولا يوجد رأي يوجب على الإمام اختيار أهل الشورى بناءً على ترشيحات الشعب، ولا يلزم أن يكون أهل الشورى هم أهل الحل والعقد الذين يحق لهم تنصيب الإمام أو عزله والذين من الممكن أن يتم انتخاب بعضهم من قبل الشعب، وحتى أهل الحل والعقد في تنصيب الإمام أو عزله ليس لهم في ذلك حق مطلق بل بشروط وضوابط فيمن يُنصَّب تُضَيِّق دائرة الاختيار جدًّا، وعند العزل بشروط أخرى أصعب، فمثلًا لو كان الإمام عدلًا مجتمع فيه شروط الإمامة ووُجد من هو أصلح منه عشرات المرات لم يُبح بحال لأهل الحل والعقد عزله وتولية هذا الأصلح.
أين كلُّ هذا من أي صورة للديمقراطية سواءً مباشرة أو غير مباشرة؟ بل أين كل هذا من صور الحكم وأساليبه التي يصنفها علماء السياسة من أوتقراطية أو أوليجارشية أو شمولية ... إلخ؟
{قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا القُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء:88] .
إنَّ المنهزمين الذين يريدون تحريف الإسلام إلى الديمقراطية عليهم أن ينفوا تاريخ دولة الإسلام كله ليبرروا باطلهم -بعد جحودهم أدلة الشرع الحنيف أو تحريفها-، هل كانت دولة الخلافة الراشدة