الصفحة 79 من 83

الطويل الذي كان يشارك في حروبها ضد الكفار الكثير الكثير من أهل البدع دون أي امتعاض، أو اعتراض من أحد إلا أصحاب الورع الفاسد، بل وليزعم المتنطع أن الإمام أحمد عندما فرح بفتح عَمُّورية على يد الخليفة المعتزلي المبتدع لم يكن يُجيز أن يُقاتل الناس معه، وكفانا سفاهةُ هذا القول مؤنةَ الرد عليه.

فإذا كان كل ما سبق في القتال للحفاظ على دولة الإسلام القائمة أو لتوسيعها ونشر دعوتها، أفلا يكون الجهاد والإعداد له لإقامة هذه الدولة بعد زوالها من باب أولى بكثير جدًّا؟!

فإن اعتُرض بأن كثيرًا من العلماء يُروى عنهم تكفير أهل البدع العقائدية، فكيف يشارك الكفار في بناء دولة الإسلام؟

والرد على هذه الشبهة من وجهين؛ الأول: إنَّ هذا القول على إطلاقه مغالطة كبيرة على علماء الأمة فنَّدها ابن تيمية - رحمه الله - وبيَّنَّها أحسن بيان حيث يقول:"والمشهور في مذهب الإمام أحمد، وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية، وهم المعطلة لصفات الرحمن، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب ..."

وأما المرجئة فلا تختلف نصوصه أنه لا يكفرهم فإن بدعتهم من جنس اختلاف الفقهاء في الفروع، وكثير من كلامهم يعود النزاع فيه إلى نزاع في الألفاظ والأسماء، ولهذا يسمى الكلام في مسائلهم (باب الأسماء) وهذا من نزاع الفقهاء، لكن يتعلق بأصل الدين فكان المنازع فيه مبتدعًا، وكذلك الشيعة المفضلون لعلي على أبي بكر، لا يختلف قوله أنهم لا يكفرون، فإن ذلك قول طائفة من الفقهاء أيضًا وإن كانوا يُبدَّعون. وأما القدرية المقرون بالعلم والروافض الذين ليسوا من الغالية والجهمية والخوارج: فيذكر عنه في تكفيرهم روايتان هذا حقيقة قوله المطلق، مع إنَّ الغالب عليه التوقف في تكفير القدرية المقرين بالعلم، والخوارج، مع قوله ما أعلم قومًا شرًّا من الخوارج، ثم طائفة من أصحابه يحكون عنه في تكفير أهل البدع مطلقًا روايتين، حتى يجعلوا المرجئة داخلين في ذلك وليس الأمر كذلك ...

والتكفير له شروط وموانع قد تنتفي في حق المعين، وإنَّ تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين إلا إذا وُجدت الشروط وانتفت الموانع، ويبين هذا أن الإمام أحمد وعامة الأئمة، الذين أطلقوا هذه العمومات، لم يكفروا أكثر من تكلم بهذا الكلام بعينه، فإن الإمام أحمد -مثلًا- قد باشر الجهمية الذين دعوْه إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت