فهرس الكتاب
خلق القرآن ونفي الصفات ... ثم إنَّ الإمام أحمد دعا للخليفة [الجهمي] وغيره ممن ضربه وحبسه، واستغفر لهم، وحللهم مما فعلوه به من الظلم والدعاء إلى القول الذي هو كفر، ولو كانوا مرتدين عن الإسلام لم يجز الاستغفار لهم، فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع، وهذه الأقوال والأعمال منه ومن غيره من الأئمة صريحة في أنهم لم يُكفِّروا المعيَّنين من الجهمية" [1] ."
نُلاحظ أن البدع في العقائد، منها من لا يكفَّر بها المخالف مطلقًا وإن بُدِّع، وما يُكفَّر فيها المخالف لا بدَّ من استيفاء شروط وانتفاء موانع، بالطبع على أن يكون معه أصل الإسلام، فهناك بدع يُكفَّر فيها المخالف مطلقًا وليس من أهل الإسلام أبدًا ولا عذر له مثل: الفاطميين والإسماعيليين والنصيريين ... إلخ، هذه واحدة.
والثانية: إنَّ الأمر لا بدَّ وأن يُقدَّر بالمصالح والمفاسد، مصلحة الدين وأهله.
فلا يعني التعاون مع أهل البدع لإقامة دولة الإسلام أن تقوم دولة تستأصل شأفة أهل السنة والجماعة كغلاة الشيعة والخوارج، فلا ريب أنَّ الحال سيختلف بين كونهم أصحاب الغلبة وكون أهل السنة أصحاب الغلبة، كذلك قد يكون منهم -مثل غلاة الشيعة- من يفضل اليهود والنصارى على أهل السنة باعتبار أهل السنة -في زعمهم- مرتدين، وهؤلاء التعاون معهم منذر بالخيانة والموالاة ضد أهل السنة.
فالأمر دقيق يحتاج إلى بصر نافذ وعقل راجح.
لكن عندما يتعلق الأمر بالتعاون مع أهل البدع الذين لا يُكفِّرون أهل السنة والجماعة كالأشعرية والماتريدية والمرجئة وغيرهم فلا ريب أن الأمر سيختلف جد الاختلاف.
ثم إذا تعلق الأمر بمن عنده بدعة وليس بمبتدع ولا يتحزب لطائفة بدعية فلا شك أن من يمنع العمل مع هذا لإقامة دولة الإسلام -حين يُحتاج إليه- من أضل الناس عقلًا وفكرًا ويشبه الخوارج أصحاب الورع الفاسد عملًا وسلوكًا، وإلا فليمنع العمل مع الإمام النووي وابن حجر العسقلاني الذين أخطأوا
(1) مجموع الفتاوى لابن تيمية (12/ 485 - 289) ، وليراجع الكلام بتمامه هناك لأنه قيِّم جدًّا لا يتحمل ذكره كله هذا المختصر.