"الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ" [1]
أيُها الفارِس!
إنَّكَ في طريقٍ لو صارحتُك لقُلتُ: إنَّهُ طريقُ الابتِلاء ..
ولو جاملتُكَ لأخفف عنكَ لقُلتُ: إنَّه طريقٌ لا بدَّ فيه من ابتلاء!!
ولأن أكون صريحًا معكَ أحبُّ إليَّ من أن أُجامِلك، فما كُنتُ لأتعامل بها في البداية -أعني الصَّراحة- وأتجاوزها في النَّهاية فالعبرةُ بالخواتيم.
نعم أيُها الفارس:
إنَّه طريق الابتلاءِ هذا الذي تسيرُ فيه، ابتلاءٌ بالنَّفسِ والنَّفيس، وابتلاءٌ بالغالي والرَّخيص، وابتلاءٌ بالقريبِ والبعيد ومن القريبِ والبعيد ..
ابتلاءٌ مُستمرٌ ومُتجدد حتى يعلم الله والخبيثَ من الطَّيب، والصادقَ من الكاذب، والجادَّ من الهازل، والثَّابت من المُتأرجح.
"ما كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ" [2]
(انه ليس من شأنه تعالى أن يترك المؤمنينَ على ما هُم عليه، فيهم المؤمن الصادقُ في إيمانه, والكاذبُ فيه وهو المنافق. بل لا بُدَّ من الابتلاء بالتكاليفِ الشَّاقة منها كالجهاد والهِجرةِ والصلاة والزكاة, وغير الشَّاقة من سائر العباداتِ حتى يَمِيْزَ المؤمن الصادق وهو الطَّيب الروح, من المؤمن الكاذب وهو المنافق الخبيث الروح) [3]
ولقد أدرك الصَّحابةُ - رَضِيَ اللهُ عنْهُم- هذا الأمر وعايَشوه حقيقةً واقعة، وسُنَّةً مُتحققة فما كانوا
يسألونَ النَّبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- عنِ البلاء لأنَّهم عرفوهُ وذاقوه، وإنَّما كانوا يسألونَهُ عن أشدِّ الناسِ بلاءً!! فكان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُجيبهم بما يؤكدُ لهم هذا الأمر ويُرسِّخه في نفوسهم فيقول:
(1) العنكبوت 1 - 3
(2) آل عمران 179
(3) أيسر التفاسير 1/ 415