إنَّه مُدخرٌ لمن يَستحقونَه. ولن يَستحقَّهُ إلا الذين يثبُتونَ حتى النِّهاية. الذين يثبُتونَ على البأساءِ والضَّراء. الذين يصمدون للزلزلةِ. الذين لا يحنونَ رؤوسهم للعاصفةِ. الذين يَستيقنونَ أنَّ لا نصرَ إلاَّ نصرُ الله، وعندما يشاءُ الله. وحتى حين تبلغُ المحنةُ ذُروتها، فهم يتطلعون فحسب إلى"نصر الله"، لا إلى أي حلٍ آخر، ولا إلى أي نصرٍ لا يجيء من عند الله. ولا نصرَ إلاَّ من عند الله.
إنَّ الصراع والصبر عليهِ يهبُ النَّفوس قوةً، ويرفعها على ذواتِها، ويُطهرها في بوتقةِ الألم، فيصفو عنصرها ويضيء، ويهبُ العقيدة عمقًا وقوةً وحيويةً، فتتلألأ حتى في أعينِ أعدائها وخصومها. وعندئذٍ يدخلونَ في دين الله أفواجًا كما وقع، وكما يقعُ في كل قضيةِ حق، يلقى أصحابها ما يلقونَ في أول الطَّريقِ، حتَّى إذا ثبتوا للمحنةِ انحاز إليهم من كانوا يُحاربونهم، وناصرهم أشدُّ المناوئين وأكبرُ المُعاندين .. ) [1]
5 -إنَّ نفسكَ التي حدَّثتك ذلك الحديث، وسارتْ بكَ إلى تلكَ الظُّنون، هي ذاتُها - إن كُنت صادِقًا- ستقولُ لكَ وبصوتٍ مُرتفعٍ مدوٍّ لا تستطيعُ أن تُخفيهِ أضلاعُك، ليصِلَ إلى كُلِّ الآذان:
تقولُ لك: إنَّ الحياةَ لغايةٌ ... أسمى منَ التَّصفيقِ للطُّغيانِ
أنفاسُكَ الحرَّى وإن هي أُخمِدت ... ستظلُّ تغَْمُرُ أُفْقَهُم بِدخانِ
وقروحُ جِسمِك وهو تحتَ سِياطِهم ... قَسَماتُ صُبحٍ يتَّقيهِ الجاني
دمعُ السَّجينِ هناكَ في أَغلالِهِ ... ودَمُ الشَّهيدِ هُنا سيلتقيانِ
حتَّى إذا ما أُفْعِمَتْ بِهما الرُّبا ... لم يبقَ غيرَ تَمَرُّدِ الفَيضانِ
ومِنَ العَواصفِ مايكونُ هبوبُها ... بعدَ الهُدوءِ وراحةَ الرُّبَّانِ
إنَّ احْتِدامَ النَّارِ في جَوفِ الثَّرى ... أَمرٌ يُثِيرُ حَفِيظَةَ البُركَانِ
(1) الظلال 1/ 219