الصفحة 17 من 126

حين تحتدِمُ المواقف، وتحتدُّ الأمور، وتتشابكُ الخطوب؛ يبرُزُ الصدق ليُنجيك، ويبرزُ ليحميك، ويبرزُ ليُعينُك"هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ" [1]

ودعني أذهبُ بك أيها الفارسُ! إلى أبعدِ من ذلك، إلى ما قالهُ أحدُ الصالحين: (عليك بالصِدقِ وإن قتلك) !! نعم فنحنُ نريدُ تلكَ النَّفسية الحسَّاسة المرهفة التي ترى الصدقَ منجاة والكذب مَهْواة؛ فتُجاوزُ المعنى العام للصدق في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، والسؤالِ والجواب وتتعداه ليكون سلوكًا ومبدأً وعُرفًا نتعاملُ به في هذا الطريق الصَّعب الممتلئ بالمواقف التي تحتاجُ منَّا إلى تحقيق هذا الخُلق وتطبيقه.

فمواقِفنا لا بُد أن تُبنى على صِدق الأحكام، وأحكامُنا لا بُد أن تُبنى على صدقِ النوايا، ونوايانا لا بُد أن تُبنى على صدق الأعمال، وأعمالُنا (قتالُنا- ولاؤنا .. ) لا بُد أن تُبنى على صدق الحُكم الذي يَنتُج بعد دراسةٍ وبحثٍ وتقليب لوُجُوهِ المسائِلِ، مُستصحبين دائمًا العقل، ومُستحضرين دائمًا قاعدة المصلحة والمفسدة، غير متجاهلين تجاربَ الماضي ولا مُتغافلين عن الحاضرِ ولا مُتعامينَ عن استشراف المُستقبل.

إنَّه الصِدق الذي لا مُداهنة معه، فلا مُداهنة مع النفس ولا مُداهنة مع الغير، هذا ما أكَّده سهل بن عبد الله رحمه الله يوم يقول: (لا يشم طريق الصدق عبدٌ داهن نفسهُ أو داهن غيره) [2]

إنَّ طريقك أيها الفارسُ الحُر! طريقٌ إمَّا أن ترقى فيه إلى أعلى السَّنام أو تهوي فيه إلى أسفل مقام!! فلا بالطَّمع ترقى، ولا بالهوى ترقى، ولا بالحرص ترقى؛ وإنما بالصدقِ الذي يَحْكُم النوايا ويَحْكُم على النوايا، ويحكُم العواطف ويتحكَّم بالعواطف، ويحكم الأهواء ويُحاكمُ الأهواء.

نعم: إنه يجِبُ علينا وفي زحمةِ الشِّعارات والهُتافاتِ والحماسات أن نستلَّ أنفُسنا، ونختلي بقلوبِنا لننظُرَ كم هو نصيبُ الصِّدق من ذلك؟! فإمَّا أن يكون كلَّه صدقٌ وإلاَّ فلا، فأولُ القضية صدق وأوسطها صدق ومُنتهاها صدق، وهكذا مرةً أخرى تلقَّى الجيلُ الأول هذه القضيةُ المهمة، وهكذا عاشوها، وهكذا تحركوا بها.

(1) المائدة 119

(2) الزهد الكبير 1/ 343

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت