صدق مع الله
كثيرةٌ هي تلك المواقف التي يُطربُك صدق أصحابها مع ربهم، ويزيدُك طربًا حين تعلمُ أنها لم تكُن في مواطنَ يَسَعُ الجميع فيها الصدق فيختلط الحابل بالنابل، ويستوي الهازل مع المُجِدِّ، والمُكثر مع المُقِل؛ بل هي وعودٌ مع الله، الموت أبرزُ عناوينها، ومواقِف مع الأحداث تُترجم حقيقة الصدق الذي قُلنا أنه يتجاوز معناه العام إلى المعنى الأدق والأكبر والأخطر.
فخذ هذا مثالًا ليدفعك بعد ذلك حُبك لمثل هذه القيم إلى التفتيشِ عن روائع القصص في هذا المجال:
-إنه أنسُ بن النّضر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - يوم شقَّ عليه أن غابَ عن غزوة بدر فقال: أولَّ مشهد شهِدَه رسول الله غِبتُ عنه!! لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ليَرَيَنَّ الله ما أصنع وهاب أن يقولَ غيرها. فشهِدَ مع رسول الله يوم أحد، وحدث ماحدث وانكسر المسلمون بعد مخالفةِ الرُماة لأوامرِ القائدِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- وانكشفوا فقال: اللَّهم إني أعتذُر إليك مما صنعَ هؤلاءِ يعني أصحابَهُ، وأبرؤ إليك مما صنع هؤلاءِ يعني المشركين، فاستقبله سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟! الجنَّة وربِّ النضر إني لأجِدُ ريحها دون أُحد!! فقاتل قتال الصادقين حتى قال سعد وهو يصفُ الصدق والثبات: ما استطعتُ يا رسول ما صنع!! وقُتل (الصادقُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -) فوجِدَ في جسده بضعٌ وثمانون من ضربةٍ وطعنة ورمية حتى أن أخته الرُبيع بنت النضر قالت: ما عرفتُ أخي إلا ببنانِه.!! وفيه وفي أصحابِه نزل قوله تعالى:"من الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا ما عَاهَدُوا اللهَ عليه" [1]
ونِيّاتُ أهل الصّدقِ بيضٌ نقِيَّةٌ ... وألسُنُّ أهْلِ الصِّدقِ لا تتلجّلجُ [2]
صدقٌ مع النَّفس
(1) أصل القصة موجودة في كتب الصحاح والسير
(2) أبو العتاهية