وموقف ثانٍ ولكن هذه المرة مع النَّفس، النفسُ الأمارة بالسوء. النفس المُتطلعةُ إلى التَّخفف من المسئوليات. النفس الراغبة في السلامة المتلكِّأة عن العزيمة .. المتثاقلة إلى الأرض ولكن:
إذا كانتِ النُّفوسُ كِبارًا ... تعِبتْ عن مُرادِها الأجسادُ [1]
إنه موقفُ الصدقِ مع النفسِ لرجلٍ تنكَّرت له الأرضُ حتى أصبحت لا كالأرضِ!! وتغيَّرت عليهِ وجوه النَّاسِ حتى أصبحت لا كالوجوهِ!! وضاقت عليه نفسُه حتى أصبح مِنها كلابِس ثوبٍ ضيِّقٍ يكادُ يُمزِّق جلده من تحته!! وتعرَّض لأقسى درجات التأديبِ والتربية وعاش مقاطعةً عامةً حتى من الزوجة والأهل والأحباب.!! ذلك كعبُ بن مالكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وذاك ما وقع عليه بعد تخلُفهِ عن غزوةِ تبوك.
وليست المشكلةُ في الوقوع في الخطأ فكلُنا ذو خطأ، وليست المشكلةُ في الوقوع في الذنب فما منَّا معصومٌ؛ ولكن المشكلة كُل المشكلة فيما بعد الخطأ وما بعد الذنب، هل نصدُق مع أنفسنا فنتوب؟! ونصدق فنعترف؟! ونصدقُ فنعود ونُصحح؟!
لقد كان- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - من النوعِ الذي نُريد ونبحث، أرادةٌ إيمانية، وشجاعةٌ أخلاقية، وصدقٌ مع النَّفس دقيق. فبينما هو على تلك الحال إذ جاءته ر سالةٌ إن شئت سمِّها ملكيةً أو أميريَّة أو سُلطانية أو رئاسيَّة!!، يقول فيها صاحبُ الفخامة أو الجلالةِ أو السمو"بلغنا أن صاحبكَ قد جفاك، فالْحَقْ بنا نُواسِك"فيالها من دعوةٍ جاءت على موعدٍ، ويالها من دعوةٍ جاءت على ظمأ، ويالها من دعوةٍ جاءت على فاقة وحاجةٍ لمن يُواسي ومن يُناصر ومن يحمي ويؤازر.
ولكنك أيُها الفارسُ! على موعدٍ مع الصدق يتجلَّى لك من هذا الصحابي الفَذ حيث خالف التَّوقعات، وقلب الموازين، وخيَّب الترجيحات، فهو لم يذهب بالرسالة إلى إخوانه يُعيَّرهم ولسانُ حالهِ يقول: لتنفعكم مقاطعتكم!! أو طار بها فرحًا مُيمِمًا وجهه نحو جهتِها وأهلها!! وإنَّما طار بها إلى التَّنور وقذفها فيه ليُعلن بينه وبين نفسِه أولًا، ثم بينه وبين الآخرين أنَّ نار الصِّدقِ مع النفس وما قد يترتَّب عليها لأحبُ إليه وأبردُ عليه من التحلُلِ والنكوصِ عند الفتن!!
(1) نهاية الأرب في فنون الأدب