إنه الصدق في أصعبِ المواقف وأقسى الفترات، ثم يأتي نتاجُ الصدق بردًا وسلامًا على صاحبِه من فوق سبع سماوات
"وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" [1]
وكذلك يأتيك أخي ذلك الناتج من حيث لا تحتسب، ثم يكون بردًا وسلامًا عليك؛ فمن آثر الصدق في كل موطنٍ غنَم، ومن أخذ به حيث يظُن أنه يُهلكُه أنجاه.
صدق على حساب النَّفس
يتوجهُ به المجاِهدُ إلى قيادته وإخوانه في الميدان بكلِّ أدبٍ واحترام، صدقٌ لا مداهنة. نصيحةٌ لا فضيحة. إشفاقٌ لا تشفِّ. نصيحةٌ صادقةٌ لا يُخرسُها الخوف، أو يُسكتُها مبدأُ (لا يعنيني) ممتثلًا طريقة ابن الجوزي رحمه الله في صدق النصيحة حينما كان يعِظُ الخليفة فيقول: (يا أمير المؤمنين، إن تكلمتُ خفتُ منك، وإن سكتُّ خِفت عليك، وأنا أُقدِّمُ خوفي عليكَ على خوفي منك، فقولُ النَّاصح: اتقِ الله خيرٌ لك من قول القائل: أنتم أهلُ بيتٍ مغفورٌ لكم) [2]
ولا يتحققُ الصدق الكاملُ في هذا الجانبِ إلا أن يكون بعيدًا عن الضوضاءِ والصَّخبِ والصياحِ على رؤوسِ الأشهاد ليُعلمَ أنَّك ناصح، لا تأخذُك في الله لومة لائم!! فالصادقُ ينصح، والكاذبُ يفضح، والصدق لا يريدُ كلَّ هذه الضجة الإعلامية، بل كما قيل لأسامة - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وكما ردَّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - حيث قِيلَ له:"لو أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قال: إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ؟ إلاَّ أُسْمِعُكُمْ؟! إني أُكَلِّمُهُ في السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لا أَكُونُ أَوَّلَ من فَتَحَهُ، ولا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كان عَلَيَّ أَمِيرًا إنه خَيْرُ الناس، بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ من رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قالوا: وما سَمِعْتَهُ يقول؟ قال: سَمِعْتُهُ يقول يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يوم الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى في النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ في النَّارِ فَيَدُورُ كما يَدُورُ الْحِمَارُ"
(1) التوبة 118
(2) سير أعلام النبلاء 21/ 372