بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عليه فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلانُ ما شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عن الْمُنْكَرِ؟ قال: كنت آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عن الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ" [1] "
صدقٌ العظماء
ودونك الآن موقفٌ من الصدق يفوقُ وصفه كل الكلمات والتعبيرات، إنَّه الصدق الذي لا يمكن أن يصدُر إلا من العظماء. عظماء النُّفوس والأخلاق والمبادئ، حين يتجلَّى ذلك الصدقِ مع الآخرين ممن هم على غيرِ دينِكَ ومِلَّتِكَ، بَل ممن هم تحت يدك ومصيرُهم مرهونٌ بتصُّرفِك، إذ يُمكن أن لا تُعير لهم بالًا ولا لحقوقه اهتمامًا، تمامًا كما يفعل أصحاب الزَّيف والتَّزوير ممن يَرفعون شعاراتٍ هُم مِن أبعد الناس عنها، ولكنه صدقُ المبادئ والمواقف والأخلاق: ففى حمص ردَّ الأمراء بأمرِ أبي عبيدة ما كانوا أخذوه من الجزية من أَهلِها، حينَ جلوا عنها ليتجمعوا لقتال الروم، وقالوا لأهل البلاد: إنمارَدَدنا عليكم أموالكم لأنَّه قد بلغنا ما جُمع لنا من الجموع، وإنكم قد اشترطتم أن نَمنعكم، وإنَّا لا نقدر على ذلك الآن، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن لكم على الشَّرطِ وما كان بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم، (فكان جوابُ أهل هذه البلاد جوابَ من استشعر العدل وذاقه، والأمن وعاشه) فقالوا: ردَّكم الله علينا ونصركم عليهم، فَلو كانوا هم لم يردُّوا علينا شيئًا، وأخذوا كل شيء. لَوِلايَتِكم وعدلِكُم أحبُّ إلينا مما كنَّا فيهِ من الظُلم والغشم، (يعنون بذلك أهلهم وقومهم.) [2]
"فَلَوْ صَدَقُوا الله لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ" [3]
إنه الخير أيها الفارس! الخير الذي يَحْويهِ الصِّدق، ويجمعُه الصدق، ويُنتجه الصدق. إنه صدقُ الرجال، كما أنهم رجال الصدق الذين على أكتافِهم يقومُ الجهاد، وبِجهودهم تُحمل الأعباء، وبسلامة قلوبهم يكون النصر، وبصدقهم تكونُ البركة فلا يذهب الجُهد سُدى، ولا تضيع الأوقات عبثًا، ولا تتراجَعُ النَّوايا في منتصف الطريق لتكون المصالح الشخصيةُ فوق الجماعية، والدنيوية فوق الأخروية، ولا تتبدلُ الأولويات أو تتأخر الضروريات أو يكونُ التَّشاغل بالتفاهات أولى من المُهمات.
أيُها الفارس! إنَّ طريقنا طريقُ صدق؛ فلا يصلحُ فيه إلاَّ الصَّادقون، ولا يُقدَّم فيه إلا الصادقون، ولا ينتصِرُ فيه إلاَّ الصادقون، ولا ينال فيه الشهادة إلا الصادقون.
(1) رواه البخاري برقم 3094
(2) فتوح البادان 1/ 143
(3) محمد 21