استخِر من في السماء يُخَر لك في الأرض. هكذا كان السلفُ يقولون ويوصون.
لقد كان النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يعلِّم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها، وهذا فيه ما فيه من حرصِ من هو أحرصُ علينا وأرحمُ وأشفقُ من أنفسِنا ومن أمهاتِنا وآبائنا، كيف لا وهو العالِمُ بمصالح الأمور، المرشد لما فيه الخير والفلاح والنجاح صلوات الله وسلامه عليه.
عن جَابِرِ بن عبد الله - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قال كان رسول الله يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ في الأُمُورِ كما يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ من الْقُرْآنِ يقول: إذا هَمَّ أحدكم بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ من غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ"اللَّهم إني أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ من فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ ولا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ ولا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ اللهم إن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذا الأَمْرَ خَيْرٌ لي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أو قال عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي ثُمَّ بَارِكْ لي فيه وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هذا الأَمْرَ شَرٌّ لي في دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أو قال في عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عنه وَاقْدُرْ لي الْخَيْرَ حَيْثُ كان ثُمَّ أَرْضِنِي به"قال وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ [1]
لم يكن هذا الحرص النبويُ العميق والملاحقةُ الدقيقة لأصحابه في حملهم على التمسكِ بهذهِ السُنة المباركةِ؛ إلاَّ لعلمه عليه الصلاةُ ما يترتب على تركها وإهمالها من عنتٍ وتعبٍ، حينَ يوكِلُ الإنسانُ نفسهُ لنفسِه، أو يوكِلهُ الله لنفسِه.
(من ترك الاستخارة والاستشارة يخاف عليه من التَّعب فيما أخذ بسبيله لدخوله في الأشياء بنفسه دون الامتثال للسنة المطهرة وما أحكمته في ذلك، إذ إنها لا تُستعمل في شيء إلا عمَّته البركات، ولا تترك من شيء إلا حصل فيه ضد ذلك) [2] ."من يُرِدْ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" [3] ومن الفقه المداومة على ما داوم عليه النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وداوم عليه أصحابه من بعده.
استخارة ابن سُبكتكين
(1) رواه البخاري برقم 1109
(2) المدخل إلى فقه الإمام احمد 4/ 43
(3) رواه البخاري برقم 71