الصفحة 31 من 126

قد يُخيَّلُ للبعض أنَّ العملَ الجهادي اليوم بحاجةٍ إلى الكمِّ - فقط - لا الكم والكيف معًا، سواء على المستوى القيادي أو على مستوى القواعد، فتجييشُ الأمةِ وشحنها وشحذها وتجنيدُها، أمرٌ ملِحٌ يدفعُنا إلى التجاوز وغضِّ الطرف عن بعض الصفاتُ الشخصيَّةُ التي نُجمعِ على ضرورةِ توافرها بحجةِ أنها يُمكنُ أن تأتي أثناء المسيرةِ، وذلك من خلال الوعظِ والإرشاد، والترغيب والترهيب.

وهؤلاء أرى - مع تقديري لاجتهادِهم وحرصهم - أنَّهم قد جانبوا الصَّواب في جُزئيةٍ مهمةٍ من هذا التَّحرك التجميعي، ألا وهي أنَّ تحرِّي الكيف مهمٌ جدًا في بعضِ الصَّفاتِ الأخلاقيةِ والشخصية، وذلك أنَّ هناك صفات لا يمكنُ أن تأتي بالطريقة التقليدية، والأسلوب الدَّعوي ومنها: (الأمانة) فهي متجذرةٌ ابتداءً في القلب كما أخبر النبي صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-.

إذًا لا معنى للتغاضي عن ضرورة توفُّر مثل هذه الصفات في الشخصية الجهادية وخاصةً التي تقود العمل وتمضي به وتتعاطاه بحجةِ أنَّ ما لا يمكن أن يتحقق اليوم، يمكن أن يتحققُ غدًا!! لأنَّ من الصفات ما لم يكن مُتحققًا اليوم، لا يمكن أن يتحقق لا اليوم ولا غدًا!!.

وهذا ما أكَّدهُ النبيُّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بلِسانِ النُّصحِ والشفقةِ لأبي ذرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عندما سأله أن يستَعْملهُ فقال له:"يا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يوم الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إلا من أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الذي عليه فيها" [1] هذا لضَعفٍ فيه - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لا لشيءٍ آخر، فهو من شهِدَ له خليلُه- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- يوم قال:"مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْكَ يَا أَبَا ذَرٍّ" [2] ومع ذلكَ مُنِعَ منها رغمَ أنَّهُ أمينٌ عليها، ولكنَّه ضعيفٌ عن حقِّها. أمَّا من كان من أهلها فخانَ ولم يعدِل ولم يؤدِّ الحقَّ الذي عليه فيها؛ فالخزيُ والنَّدامة كما قال النووي رحمه الله: (وأما الخزيُ والنَّدامة فهو في حقِّ من لم يكُن أهلًا لها، أو كانَ أهلًا ولم يَعْدِل فيها، فيُخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويفضحُه ويندمُ على ما فرَّط) [3]

(1) رواه مسلم برقم 1852

(2) رواه ابن حبان في صحيحه برقم 7132 قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح إسناده قوي

(3) شرح النووي 12/ 210

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت