الصفحة 32 من 126

ولقد بوَّب البُخاري في صحيحه [باب: الجهادُ ماضٍ مع البرِّ والفاجِر] وهذا ما قد يُحتجُّ به على التَّساهلِ في الفرزِ للمناصِب القياديةِ.

إلاَّ أنَّ صاحب الفتح رحمه الله وضَّح المعنى وشَرحهُ حين ربَطَ ذلك بحديث"الْخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"فذكر أن المقصود من ذلك هو بقاءُ الأجرِ والمغنم إنما يكونُ من الخيلِ بالجهاد، لا المقصودُ التأكيدُ على الصِّفة والخُلُق فقال: (إنما يكونُ من الخيل بالجهاد - يعني الأجر والمغنم- ولم يُقَيِّد - يعني الحديث - ذلكَ بما إذا كان الإمامُ عادلًا، فدلَّ على أنْ لا فرقَ في حُصولِ هذا الفضل بين أن يكونَ الغزو مع الإمامِ العادل أو الجائر) [1]

ثم أنَّ النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قال:"مع البر والفاجر"ولم يقل الخائن فقد يكون الرجل فاجرًا في بعض تصرفاته ولكن لا يكون خائنًا، أما إذا اجتمع الفجورُ والخيانة معًا، فمن الخيانة حينئذ أن نقدِّم مثل هذا بحجة أن فجوره على نفسه - وهو قولٌ صحيح- ولكن هل خيانتُه على نفسه أيضًا؟!

"ياأَبَتِ اسْتَأجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأجَرْتَ الْقَوِىُّ الأَمِينُ"

قال ابن مسعود - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أحسنُ الناس فراسةً ثلاثة: العزيزُ حين تفرَّس في يوسف فقال: عسى أن ينفعنا أو نتَّخذه ولدًا، وبِنتُ شعيبٍ حين قالت لأبيها في موسى: استأجِرهُ إنَّ خيرَ من استأجرتَ القوي الأمين، وأبو بكرٍ حين اسْتَخلفَ عمرَ [2] .

-"أبايِعُكُم على أن تَمْنَعوني مما تَمنعون مِنه نِساءَكم"!! بهذا الوضوح أراد النبيُّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أن يؤمِّن نفسهُ ودعوته، وهكذا أراد أن يستأمِن ممن جاؤوا يبايعونه، وكان ذلك في وقتٍ كان عليه الصلاةُ والسَّلامُ فيه مُطاردًا وأصحابه، تتربَّص قريشٌ بهم الدَّوائر، وتتفننُ بألوان الفتن لصدهم عن دينهم.

ولا تحسبنَّ عهدًا وميثاقًا وأمانةً يحملها أولئك في وقتٍ كهذا أمرًا هينًا، أو صفقة يبزق من ورائها أملًا قريبًا، أو نصرًا عزيزًا.!! فاعترض القومَ أبو الهيثم بن التَّيِهان فقال: يارسول الله إن بيننا وبين

(1) فتح الباري 6/ 56

(2) تفسير القرطبي 9/ 160

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت