الرجال حِبالًا وإنَّا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيتَ إن نحنُ فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع وتدعنا؟! فتبسَّم رسول الله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- ثم قال:"بَلِ الدَّمُ الدَّم، والهَدمُ الهدم" [1] إنَّها أمانةُ المُبايَع كما حرص أن تكون أمانة المُبايِع.
أمانةُ الطريق:
أيها الفارس: إنَّ طريقنا بحاجةٍ إلى من يكون أمينًا في قوله، أمينًا في بيعته، أمينًا في عمله، أمينًا في مسئولياته أمام الله وأمام قيادته وأمام الآخرين، وإلاَّ فإن البيعة والعهد يبقيان مجردكلام، ولن يُصدِّقهما إلا الوفاء بهما والأمانة لهما، لذلك يقول عمر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - (لا يُعجبنَّكم من الرجل طَنْطَنَتَهُ، ولكنه من أدى الأمانة وكفَّ عن أعراض الناس فهو الرجل) [2]
إنَّك مؤتمنٌ على أعراض الناس وعلى أرواحهم وأموالهم، وأيُّ تضيع لهذه الحقوق من خلال التساهل أوغضِّ الطرف أوالمجاملات، فهو من خيانةِ الأمانة"وَالمُؤمِنُ مَن أمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمائِهِم وأَمْوالِهِم" [3]
-فحمل السلاح أمانةٌ وأداؤها أن تتقي الله في دماء النَّاس فلا تُريق دمًا إلاَّ بحقٍ تعلمه.
-والغنيمةُ أمانة وأداؤها أن تتقي الله في أموال النَّاس فلا تستبيحُها إلا بحق.
-والسبي أمانة وأداؤها أ ن لا تستحلَّ أعراض النَّاس إلا بحق.
-كما أنَّ البيعة أمانة فلا تُعطيها إلا لمن تثقُ بصدقه وأمانته وكفاءته، وإلاَّ فقد وسدَّت الأمر لغير أهله وهي بالتالي خيانةٌ تشارك فيها وتتحملُ وزرها ووزر كل خطأ يبدُر عمن أعطيتها، أو كارثةٍ تحلُّ بسببه.
ولقد أراد النبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- أن يؤكد خطورة الأمر حين ربط تضييع الأمانة بالأمور العظيمة التي تحدث بين يدي الساعة فردَّ على الأعرابي الذي سأله متى الساعة بقوله:"إذا ضُيِّعَتْ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قال"كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قال: إذا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ" [4] "
(1) السيرة النبوية لابن هشام 2/ 291
(2) الزهد لابن المبارك 1/ 243
(3) رواه الترمذي برقم 2627 وقال الألباني رحمه الله حديث حسن صحيح
(4) رواه البخاري برقم 59