الصفحة 39 من 126

يقول صاحب أضواء البيان: (ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّ هذا القرآنَ العظيم الذي هو أعظم الكتب السماويةِ وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدًا برب العالمين جلَّ وعلا، يهدي للتي هي أقوم: أي الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب) [1] .

ولمن يّتدبَّر مليًَّا قول المعلِّم - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ-:"تَرَكْتُ فِيكُمْ ما لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إن اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ الله" [2] وقوله:"فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ فَتَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ" [3]

إنَّ هذين الأصلين العظيمين (الكتاب والسنَّة) الداعيينِ إلى الوحدانيةِ المُطلقةِ، وتزكية النفس، وحفظ كيان الجماعة ليدعواننا إلى سباقٍ مضمارُه ساحةُ الحياةِ الواسعةِ؛ لنبرهِنَ في كل يومٍ وفي كلِّ مجال تمسُكنا بهما إيمانًا وعملًا وتحاكُمًا.

إنَّ هذا التأكيد من الله جلَّ وتعالى وهو يخبرنا بأنَّ كتابهُ يهدي للتي هي أقوم، والتأكيد من النبي- صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بأنَّ ما جاء بهِ حفظٌ من الضلال، ثمَّ أمرهُ بالعضِّ عليه بالنواجذ؛ ليفهمُ منه أنَّ المعرضون متروكون لهواهم (هوى الإنسانِ) ، الإنسان العجول الجاهلُ بما ينفعه وما يضُرُّه، المندفعُ الذي لا يضبِطُ انعالاتهُ ولو كان من ورائها الشرَّكله.

إدراكٌ فطري

سبحان الله!! كيف أدركَ الوليدُ بنُ المغيرة يومها ما أدرك .. حين يقول- وهو على الشرك- واصِفًا كتاب الله تعالى: (والله إن له لحلاوةٌ، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لَمُثمر وإنَّ أسفله لمغدِق، وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه، وإنه ليحطم ما تحته وما يقول هذا بشر) [4] ؟!

أدرك ذلك لأنه خبيرٌ بكلامِ البشرِ، وهوى البشر، ونزوات البشر، وتجاوزات البشر، وحدود البشر.

(1) أضواء 3/ 17 (أتمنى الرجوع إلى المصدر ومطالعة ما فتح الله به على الشيخ في تفسير هذه الآية المباركة)

(2) رواه مسلم برقم 1218

(3) رواه أحمد برقم 17185 وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح بطرقه وشواهده، وهذا إسناد حسن

(4) مختصر السيرة 1/ 102

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت